# أولمبياد 2024 وما بعده..
## حين تتحول الرياضة إلى رسالةٍ تتجاوز الميداليات
بقلم الكاتب الصحفي / سعيد سليم
*رئيس مجلس إدارة مجموعة كيانات بوابة المحروسة*
*الإسكندرية – مارس 2026*
باريس التي أضاءت الصيف الماضي بألوان الأولمبياد وأشعلت في قلوب ملايين البشر حول العالم جذوة الأمل والإلهام، أثبتت مرةً أخرى أن الألعاب الأولمبية ليست مجرد منافسةٍ رياضية بين دول العالم على الميداليات والأرقام القياسية، بل هي حدثٌ إنساني بامتياز يُجسّد في أجمل صورهِ القدرة الخارقة للإنسان على تخطي حدوده وكسر قيوده والتحليق نحو ما يبدو مستحيلاً. ملاعب باريس التي شهدت منافساتٍ لا تُنسى ولحظاتٍ خالدة ستبقى في ذاكرة من شهدها، أعادت للأولمبياد شيئاً من بريقه الأصيل بعد دوراتٍ شهدت جدلاً واسعاً حول التسييس والاستبعاد والازدواجية.
## اللحظات التي صنعت التاريخ
كل دورةٍ أولمبية تحمل في طياتها لحظاتٍ لا تُنسى تتجاوز في قيمتها كل الميداليات والأرقام. لحظاتٌ تُجسّد الإرادة الإنسانية في أبهى صورها وتُثبت أن الحدود التي نضعها لأنفسنا في أذهاننا أضيق بكثيرٍ من الحدود التي تضعها الطبيعة لأجسادنا. الرياضيون الذين يتجاوزون الإعاقات الجسدية، والأمم الصغيرة التي تحصد ميداليةً بعد سنواتٍ من العمل الصامت والحرمان، والأبطال الذين يعودون بعد إصاباتٍ شبه قاتلة ليقفوا على منصة التتويج، كلها قصصٌ تُعلّم الإنسانية درساً لا تجده في أي كتاب.
## العرب والأفارقة في الأولمبياد.. تقدمٌ يستحق التوقف
مسيرة الرياضة العربية والأفريقية في الأولمبياد تسير بخطواتٍ لافتة وإن ظلت دون المستوى الذي تطمح إليه شعوب هذه المنطقة وتستحقه بالنظر إلى ما تمتلكه من طاقاتٍ بشريةٍ هائلة. الميداليات العربية التي تتزايد تدريجياً وإن كانت لا تزال تحت مستوى الطموح، تعكس بداية وعيٍّ رياضي متصاعد وإدراكٍ بأن الاستثمار في الرياضة ليس ترفاً بل ضرورةٌ تنمويةٌ وطنية.
مصر التي تمتلك تاريخاً أولمبياً موقّراً في رياضاتٍ كالمصارعة والملاكمة والرماية والجودو، تسعى في كل دورةٍ إلى توسيع رقعة مشاركتها وتحسين حصادها من الميداليات، في ظل اهتمامٍ رسمي متصاعد بالرياضة وتطوير البنية التحتية الرياضية.
## التسييس الأولمبي.. آفةٌ تنخر الروح
لا يمكن الحديث عن الأولمبياد دون الإشارة إلى الظاهرة التي تُهدد روحه وتُشوّه هويته: توظيف الرياضة أداةً للسياسة. الاستبعادات والحظر والمقاطعات التي تفرضها بعض الدول والهيئات الرياضية الدولية بدوافع سياسيةٍ بحتة، تُناقض جوهرياً فلسفة الأولمبياد التي قامت على مبدأ الرياضة جسراً للسلام لا ميداناً للصراع.
والرياضي الذي يقضي سنواتٍ من عمره في التدريب والتضحية والعرق والدم ثم يُحرم من المنافسة بسبب جنسيته أو لجوارٍ جغرافي مع دولةٍ في حالة نزاع، يدفع ثمناً لا علاقة له بما أنجزه ولا بالقيم التي يؤمن بها الأولمبياد في أصله ومبدأه.
## لوس أنجلوس 2028.. الحلم القادم
مع اقتراب أولمبياد لوس أنجلوس 2028 تبدأ الأمم في وضع استراتيجياتها الرياضية وتكثيف برامج تطوير رياضييها. والعالم العربي والأفريقي أمام فرصةٍ حقيقية لحصاد أوفر من الميداليات إذا ما أُحسن الاستثمار في المواهب الواعدة وبُنيت برامج التأهيل الطويلة المدى بعيداً عن الارتجال والعمل الموسمي.
مصر بالتحديد تملك من المواهب الرياضية الكامنة ما يكفي لتحقيق حصادٍ أولمبي يليق باسمها ومكانتها، شريطة أن يتوفر الدعم المادي والإداري الكافي والتخطيط المنهجي الذي لا يبدأ مع اقتراب موعد الأولمبياد بل يبدأ من اليوم الأول بعد انتهاء كل دورة
## أخيرا.. الأولمبياد قدوةٌ يحتاجها العالم
في عالمٍ يعجّ بالصراعات والانقسامات والكراهية، يبقى الأولمبياد نافذةً نادرة يتطل منها الإنسان على نفسه في أجمل صورة. نافذةٌ تقول له: أنت قادرٌ على أكثر مما تتخيل، وأخوك الإنسان في الجانب الآخر من العالم ليس عدوك بل منافسك الشريف الذي تحترمه وتُصافحه بعد كل سباق.
*وهذه الرسالة وحدها تستحق أن يبقى الأولمبياد إلى الأبد.*
