# التراث العربي والإسلامي.. هويةٌ تُحاصَر وجذورٌ لا تُقتلع
## حين يصبح الماضي أقوى سلاحٍ في مواجهة هشاشة الحاض
بقلم الكاتب الصحفي / سعيد سليم
*رئيس مجلس إدارة مجموعة كيانات بوابة المحروسة*
في زمنٍ تتسارع فيه وتيرة التغيير وتتلاشى فيه الحدود بين الثقافات أمام هيمنة العولمة الرقمية، يجد الإنسان العربي نفسه أمام سؤالٍ هويتي عميق لا يجد له إجابةً جاهزة: من أنا في هذا العالم الجديد؟ وما الذي يميّزني عن غيري ويجعل انتمائي إلى هذه الحضارة بالتحديد ذا معنى وقيمة؟ وهل يمكنني أن أكون مُعاصراً ومُنفتحاً على العالم دون أن أفقد في الوقت ذاته جوهر هويتي وخصوصية ثقافتي؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً فلسفياً بل هي في صميم الأزمة الثقافية التي يعيشها العالم العربي في مرحلته الراهنة. أزمةٌ تتجلى في جيلٍ من الشباب الذي يشعر في بعض الأحيان بالانفصام بين هويته الموروثة وواقعه المعاش، وبين ما تُمليه عليه ثقافته التقليدية وما يُفرزه العالم الرقمي من قيمٍ وأنماط حياةٍ مغايرة.
## التراث ليس عبئاً بل رصيد
الخطأ الجوهري الذي يقع فيه بعض المثقفين العرب حين يتحدثون عن التراث هو تقديمه باعتباره عبئاً يُثقل كاهل الحاضر ويُعيق الانطلاق نحو المستقبل. هذا التصوير الخاطئ يُربك الشباب ويدفعه إما إلى رفض تراثه كلياً باعتباره عقبةً أمام تقدمه، وإما إلى التشبث به بصورةٍ جامدةٍ دفاعيةٍ تُحوّله من رصيدٍ حي إلى صنمٍ لا يُمسّ.
التراث العربي والإسلامي بكل ما يحمله من علمٍ وفلسفةٍ وفنٍّ وأدبٍ وقيمٍ إنسانية راسخة هو في جوهره رصيدٌ استثنائي يُمكّن الإنسان العربي من الوقوف على أرضٍ صلبة حين تضطرب الأمواج من حوله. الحضارة التي أنجبت ابن سينا وابن رشد والفارابي والبيروني والإدريسي وحافظت على تراث الإنسانية في لحظاتٍ مظلمة، لا تحتاج إلى اعتذارٍ عن نفسها بل تحتاج إلى من يُعيد اكتشاف كنوزها بعيونٍ معاصرة.
## صون التراث المادي.. مسؤوليةٌ وطنية وإنسانية
التراث المادي الإسلامي والعربي من مساجد ومدارس وأسواقٍ تاريخية وقلاعٍ وقصورٍ وحواضر عريقة، يواجه تحدياتٍ حقيقية تتراوح بين الإهمال والتدهور والتوسع العمراني العشوائي الذي يُهدد كثيراً من المناطق الأثرية. الإسكندرية التي تحتضن طبقاتٍ حضاريةٍ متعاقبة من الفرعونية إلى اليونانية والرومانية والإسلامية والحديثة، تمثّل نموذجاً لمدينةٍ تحمل في باطنها كنوزاً تراثيةً هائلة تستحق الحماية والتوثيق والاستثمار السياحي الرشيد.
## التراث غير المادي.. ذاكرةٌ تتلاشى
لكن التراث لا يقتصر على المباني والآثار. ثمة تراثٌ غير مادي من موسيقى وحكاياتٍ شعبية وصناعاتٍ تقليدية وطقوسٍ اجتماعيةٍ وأمثالٍ شعبية وأغانٍ وموروثاتٍ شفهية، يتلاشى بصورةٍ صامتة مع رحيل كل جيلٍ من كبار السن الذين يحملون في ذاكرتهم ما لم يُدوَّن ولم يُوثَّق. مشاريع التوثيق التراثي الجادة التي تسابق الزمن لتحفظ ما تبقى من هذا الإرث الشفهي الحي، تستحق الدعم والاهتمام الذي لا يزال دون ما تستحقه.
## خاتمة.. الهوية ليست قيداً بل جناحان
الهوية الثقافية الحقيقية ليست سجناً يحبس الإنسان في الماضي ولا حصناً يعزله عن العالم، بل هي الجذور التي تُمكّن الشجرة من الامتداد عالياً دون أن تُقتلع في أول عاصفة. الإنسان الذي يعرف من أين جاء يستطيع أن يختار إلى أين يذهب، أما الذي فقد جذوره فيبقى تائهاً يُصفّق لكل ريحٍ تمر.
*والتراث العربي الإسلامي العظيم ليس ما كنا عليه بالأمس فحسب، بل هو ما نستطيع أن نكون عليه غداً إذا أحسنا فهمه واستلهمنا منه لا تقيّدنا به.*
