
تظل الذاكرة السياسية المصرية غنية بالمواقف التي تعكس رؤية قادتها لإدارة الدولة ومفهوم العمل العام. ومن بين هذه المواقف التاريخية، ما يُروى عن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عندما سُئل في أحد الأيام عن “السيدة الأولى في مصر”، فجاءت إجابته لتعكس انحيازاً تاماً للكفاءة والعمل الوطني؛ حيث أطلق هذا اللقب على الدكتورة “حكمت أبو زيد”، أول وزيرة للشؤون الاجتماعية في تاريخ مصر، تقديراً لدورها التنموي والاجتماعي البارز حينها.
ومع تعاقب الحقب السياسية بعد عهد الرئيس عبد الناصر، شهد المفهوم تحولاً جذرياً؛ حيث برز دور زوجات الرؤساء بشكل مباشر في المشهد العام. وأصبح للرئيسين الراحلين أنور السادات وحسني مبارك حضور لافت لزوجتيهما، السيدة جيهان السادات والسيدة سوزان مبارك، في تفاصيل الحياة العامة والسياسية. وتمثلت هذه الأدوار في التدخل في العديد من الملفات، بدءاً من المساهمة في اختيار بعض التشكيلات الوزارية، وصولاً إلى الهيمنة على المجالس القومية مثل مجلس المرأة والأنومة والطفولة، وحتى التأثير المباشر في صياغة وتعديل قوانين الأحوال الشخصية.
هذا الحضور السياسي المكثف لزوجات الرؤساء في العقود الأخيرة، يعيد إلى الأذهان مقارنة تاريخية مع أميرات وملكات أسرة “محمد علي”.
.
فرغم طبيعة النظام الملكي، إلا أن النشاط الاجتماعي للأميرات والملكات كان يتركز بشكل أساسي في النطاق الخيري والإنساني، مثل افتتاح دور الأيتام، المستوصفات الطبية، ورعاية الجمعيات الأهلية، دون الانخراط المباشر في دهاليز السياسة والحكم أو تخطي التقاليد المجتمعية السائدة في الفضاء العام، مع الحفاظ على الفارق بين الحياة الخاصة والالتزام بالبروتوكول العام الذي يراعي مشاعر المواطنين.
ولم يقتصر تأثير هذا التحول على الساحة السياسية والتشريعية فحسب، بل امتد إلى كواليس العمل الإداري والأمني داخل مؤسسة الرئاسة. وفي شهادة تاريخية موثقة نشرتها صحيفة “اليوم السابع” في 12 مايو 2011، صرح العميد سعد زايد، من قوة شرطة رئاسة الجمهورية آنذاك، بمدى صعوبة التعامل مع البرتوكول الصارم للسيدة سوزان مبارك. وأشار في شهادته إلى أن طاقم الحراسة كان يتحاشى الصدام معها نظراً لحدة طباعها؛ مستشهداً بواقعة الإطاحة بعشرة من ضباط الشرطة في حراسة الرئيس بسبب خطأ بروتوكولي ارتكبه أحدهم مع أحد ضيوفها.
إن قراءة هذه التحولات التاريخية تقدم لنا دروساً مستفادة حول حدود الدور الاجتماعي لشركاء صناع القرار، وكيف يمكن لـ “صناعة اللقب” أن تغير مسار المؤسسات وتؤثر في انطباعات الرأي العام بين حقبة وأخرى.
