
في إطار اهتمام موقعنا بفتح دفاتر التاريخ الوطني، وإلقاء الضوء على المحطات الفارقة في مسيرة رجالات مصر العظام الذين أثروا العمل السياسي والتشريعي بنزاهتهم وعلمهم؛ ننشر قراءة مستفيضة ومطورة تفوح بروح الوطنية، مستندة إلى ما حملته “مذكرات رفعت المحجوب”، لتكشف عن كواليس سياسية وتاريخية مثيرة جمعت الراحل البروفيسور رفعت المحجوب برؤساء مصر، وصاغت ملامح حقبة هامة من تاريخ البلاد.
من نكسة 1967 إلى القطط السمان: مواقف دفع ثمنها المحجوب من حياته السياسية
لم يكن الدكتور رفعت المحجوب مجرد رجل سياسة عابر، بل كان صاحب موقف وفكر اقتصادي وأكاديمي راسخ، دفع ضريبته أكثر من مرة. بدأت أولى مواجهاته عقب نكسة يونيو 1967 في عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، حين أثار غضبه بمقال شهير دافع فيه عن “استقلالية الجامعة”، مما اضطره لترك العمل كمستشار اقتصادي لنائب رئيس الجمهورية، والهجرة لأول مرة إلى لبنان ليتولى التدريس في جامعة بيروت العربية.
ومع تولي الرئيس الراحل محمد أنور السادات مقاليد الحكم، عاد المحجوب إلى مصر عام 1970 ليعمل معه بقوة، متدرجاً في المناصب حتى شغل موقعي نائب رئيس مجلس الوزراء والأمين الأول للاتحاد الاشتراكي العربي. إلا أن طهارة يده وعقيدته الاقتصادية المنحازة للمواطن جعلته يصدح بالحق مجدداً؛ ففي يناير من عام 1976، فجّر مقالاً نارياً في جريدة الأهرام هاجم فيه الفساد وظاهرة “القطط السمان” التي بدأت تطفو على السطح مع سياسة الانفتاح الاقتصادي. هذا المقال أغضب الرئيس السادات، ليرحل المحجوب عن المسرح السياسي للمرة الثانية في يونيو 1976، معلناً رغبته الصادقة في الانحياز للعلم ومحراب الجامعة.
رفض المناصب الدبلوماسية والاستثمارية: “بيتي ومكاني كلية الاقتصاد”
عقب خروجه الثاني من السلطة، حاولت الدولة استرضاء المحجوب بتقديم عروض برّاقة؛ حيث عُرض عليه تعيينه سفيراً لمصر في الخارج، أو تولي رئاسة أحد البنوك الاستثمارية الكبرى التي كانت تنمو في تلك الفترة. غير أن المحجوب، بعزة نفس الأكاديمي المخلص، رفض كافة تلك الإغراءات، متمسكاً بعبارته التاريخية: “مكاني وبيتي كلية الاقتصاد جامعة القاهرة”.
اكتفى المحجوب بالعودة كأستاذ متفرغ، ولم يبخل بعلمه على المؤسسات الوطنية؛ فإلى جانب كليته، شارك في التدريس بكليات التجارة والحقوق، وبأكاديمية الشرطة، ومعهد الدراسات الإسلامية، وأكاديمية ناصر العسكرية العليا، ليواصل بناء عقول الأجيال الإستراتيجية، حتى جرى انتخابه عميداً لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية للمرة الثانية عام 1981، بعد أن كان عميداً لها للمرة الأولى عام 1971.
عهد مبارك: تقارير سرية في قصر الرئاسة وتكليف لم يكتمل
مع تولي الرئيس الأسبق حسني مبارك رئاسة الجمهورية، بدأت صفحة جديدة في مسيرة المحجوب؛ حيث طلب منه مبارك تنظيم مؤتمر اقتصادي موسع بجامعة القاهرة عام 1982 لوضع حلول للمشكلات الاقتصادية. وعقب نجاح المؤتمر، عُين المحجوب مستشاراً اقتصادياً لرئيس الجمهورية حتى نهاية عام 1983.
وطوال فترة عمادته للكلية، كان د. المحجوب يرسل الدراسات والتقارير الاقتصادية الحيوية إلى مؤسسة الرئاسة عبر مساعدي الرئيس، الأستاذ الدكتور أسامة الباز والأستاذ الدكتور مصطفى الفقي. وظلت هذه اللقاءات والتقارير محاطة بسرية تامة ومعروفة في أضيق الحدود بداخل قصر الرئاسة، دون أي تغطية تلفزيونية أو إشارات صحفية.
وفي يناير 1984، وقبيل انتخابات مجلس الشعب الجديدة، خرجت العلاقة إلى العلن؛ حيث استقبل الرئيس مبارك المحجوب في لقاء مصور بُث عبر التلفزيون المصري ونُشرت صوره بالصحف، وأبلغه الرئيس رسمياً بتكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة عقب انتهاء الانتخابات البرلمانية، إذ قضت الرؤية السياسية آنذاك بأن يتولى الراحل الأستاذ الدكتور فؤاد محيي الدين (رئيس مجلس الوزراء حينها) رئاسة مجلس الشعب، بينما يتفرغ المحجوب للحقيبة الوزارية والاقتصادية.
رحيل فؤاد محيي الدين المفاجئ وجلسة الغرفة المغلقة
لكن قضاء الله وقدره غيّرا مجرى المخططات السياسية بالكامل؛ إذ توفي الدكتور فؤاد محيي الدين فجأة وهو رئيس للوزراء وقبل إسدال الستار على الانتخابات البرلمانية لعام 1984. هذا الحدث الجلل دفع الرئيس مبارك لاستدعاء المحجوب على عجل، ودارت بينهما جلسة مغلقة وطويلة بداخل أروقة الرئاسة.
وعقب انتهاء الاجتماع، خرج المحجوب ممتنعاً عن الحديث مع أي من العاملين بالرئاسة أو رجال الإعلام الذين كانوا يحتشدون بانتظار تصريح، وعاد مباشرة إلى مكتبه بالجامعة وسط حالة من الاستغراب والكهنات في الشارع السياسي المشتعل، بالتزامن مع تكليف السيد كمال حسن علي (نائب رئيس الوزراء وقتها) بالقيام بأعمال رئيس مجلس الوزراء بالإنابة.
