حماية صحة المواطن.. تعددية أشكال الفساد في القطاع الصحي واستراتيجيات مكافحتها رقمياً وميدانياً
بقلم الكاتب الصحفي: سعيد سليم
رئيس مجلس إدارة مجموعة كيانات بوابة المحروسة
يمثل القطاع الصحي الملاذ الآمن والأخير للمواطنين، والركيزة التي تقاس بها قوة المجتمعات وتماسكها البنيوي. إلا أن هذا القطاع الخدمي والإنساني يواجه في العديد من النظم الإدارية تحديات معقدة تتعلق بـ “الفساد والمحسوبية والإهمال”، وهي آفات لا تقتصر أضرارها على الهدر المالي الفوري فحسب، بل تمتد لتهدد سلامة وحياة المرضى بشكل مباشر. إن مواجهة التجاوزات داخل المستشفيات والمؤسسات العلاجية تتطلب تشخيصاً “جراحياً” دقيقاً لأشكال هذا الفساد، وصياغة استراتيجيات حوكمة صارمة تعتمد على الرقابة الرقمية والميدانية لضمان وصول الرعاية الطبية لمستحقيها دون ابتزاز أو تقصير.
تعددية أشكال الفساد في المنظومة الصحية (رصد ومكاشفة)
يتخذ الفساد في الحقل الطبي والإداري الصحي صوراً وأشكالاً متعددة تتداخل فيها المصالح الشخصية مع المسؤولية المهنية، مما ينتج عنه طحن للأطقم الطبية المخلصة ووجع للمواطنين البسطاء.
ويمكن حصر أبرز هذه الأشكال في النقاط المرتبة التالية:
المحسوبية والوساطة في تقديم الخدمة (Nepotism): تتجلى في حجز أسرة العناية المركزة، أو تقديم مواعيد العمليات الجراحية الحرجة بناءً على العلاقات الشخصية أو النفوذ الإداري، مما يخل بمبدأ تكافؤ الفرص ويحرم المرضى الأكثر احتياجاً من حقهم في العلاج العاجل.
الابتزاز المالي والدروس الخصوصية الطبية: تشمل إجبار المرضى في المستشفيات الحكومية والعامة على التوجه إلى العيادات الخاصة والمراكز الاستثمارية التابعة لبعض الأطباء للحصول على الرعاية، أو طلب مبالغ مالية غير قانونية تحت مسمى “تسهيل الإجراءات” أو توفير الأدوية والمستلزمات الناقصة.
التلاعب في عقود المشتريات والمستلزمات الطبية: يظهر في تمرير صفقات أجهزة طبية أو أدوية من خلال مناقصات تشوبها المحسوبية، أو قبول مستلزمات ذات جودة متدنية مقابل عمولات ومنافع شخصية، مما يمثل تهديداً مباشراً لسلامة المرضى وهدراً جسيماً للمال العام.
ظاهرة تسرب الأدوية المدعومة: رصدت التقارير الرقابية حالات تهريب للأدوية والمحاليل الحيوية المدعومة من صيدليات المستشفيات الحكومية لتباع في السوق السوداء أو الصيدليات الخاصة، مما يخلق عجزاً وهمياً يدفع ثمنه المريض البسيط.
الآليات الاستراتيجية لتجفيف منابع الفساد في القطاع الطبي
إن إصلاح المنظومة الصحية يتطلب تطبيق حلول هيكلية تعتمد على الرقابة الذكية والشفافية الكاملة، وقطع صلة الاتصال البشري المباشر المسبب للابتزاز.
وتتمثل أبرز طرق المكافحة المعتمدة في المحاور الخدمية التالية:
التحول الرقمي الكامل وحوكمة الرعاية: تفعيل منظومة رقمية موحدة لحجز العناية المركزة والعمليات ترتبط بالرقم القومي للمريض، بحيث يتم ترتيب الأولويات آلياً بناءً على خطورة الحالة الطبية المدونة في التقارير، دون أي تدخل بشري يسمح بالوساطة.
تطوير النظم اللوجستية وتتبع الأدوية: تطبيق نظام “الباركود الدولي” لتتبع مسار الدواء والمستلزمات الطبية من المخازن المركزية وحتى وصولها ليد المريض داخل الغرفة، مما يمنع نهائياً ظاهرة التسرب ويوفر داتا رقمية دقيقة حول العجز الحقيقي.
تفعيل الرقابة الميدانية والمجتمعية: إشراك منظمات المجتمع المدني ومجالس الأمناء في تقييم أداء المستشفيات العامة يومياً، وتدشين منصات إلكترونية مشفرة تتيح للمواطنين الإبلاغ الفوري عن حالات الإهمال أو طلب الرشاوي مع ضمان حماية كاملة لهوية المبلغ.
رؤية “بوابة المحروسة”.. صحة المواطن خط أحمر ولا تنمية بلا حوكمة طبية جراحية
إننا من واقع قراءتنا التحريرية الاستراتيجية الشاملة في مشروع بوابة المحروسة 2030، نرى أن معركة تطهير القطاع الصحي وحوكمته هي المعركة الحقيقية لحماية كرامة المواطن. لا يمكن أن نتحدث عن استقرار اقتصادي أو بناء مجتمع قوي، بينما يواجه المواطن البسيط وجعاً أو تقصيراً في ليلة مرضه بسبب وساطة سرقت حقه في سرير رعاية مركبة، أو جشع استنزف مدخراته.
إن إصلاح هذا الملف لا يحتاج إلى مسكنات، بل يحتاج إلى “مشرط جراحي” يقطع دابر المحسوبية والإهمال. يجب أن نطبق القانون بمسطرة واحدة على الجميع، وأن يتم دعم الدكاترة المخلصين الذين يعملون وسط ضغوط هائلة، وفي نفس الوقت يتم بتر كل من تسول له نفسه الاتجار بآلام الغلابة. الشفافية الرقمية والرقابة الصارمة من الأجهزة الرقابية والمجتمع المدني هي الأسلحة التي سنظل في بوابتنا التنويرية نضغط لتفعيلها، لتظل الرعاية الطبية حقاً مصاناً بكرامة لكل مواطن على أرض المحروسة.
