
بقلم اللواء عبد الحميد خيرت
وكيل الإدارة العامة للأمن الوطنى السابق
بوابة المحروسة الإسكندرية
التصريحات الرسمية المعلنة والمتداولة تركز على ملفين :
الأول : البرنامج النووي الإيراني الثاني : سلوك طهران الإقليمي .
فأمريكا ترى أن الملف الأول هو الخطر الأكبر ، لأن امتلاك إيران لسلاح نووي سيغير ميزان القوى في المنطقة ويهدد حلفاءها.
في المقابل، تُطرح أحيانًا فكرة الملف الثاني ، و أن المشكلة الأساسية تكمن في طبيعة النظام الإيراني نفسه وعدائه التاريخي للولايات المتحدة.
لكن في الحقيقة هذين الملفين ، رغم أهميتهما، لا يقدمان وحدهما تفسيرًا كاملًا للتصعيد أو ضرب إيران ، فالحروب نادرًا ما تكون لها دوافع أحادية ، بل غالبًا ما يكون هناك أكثر من دافع استراتيجي في صناعة القرار .
في منطقة الشرق الأوسط، تبرز ملفات أخرى ، قد تفسر سببًا لهذه الحرب ، ملف ” منطقة الشرق الأوسط ” ، فهذه المنطقة تمثل قلب سوق الطاقة العالمي، وأي توتر فيها ينعكس فورًا على أسعار النفط والاقتصاد الدولي. لذلك فإن الصراع مع إيران لا يمكن فصله عن معادلات الطاقة والنفوذ في الخليج.
هناك أيضًا من يرى أن أحد الملفات غير المعلنة للتصعيد وضرب أمريكا لإيران ، يتمثل في إعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة. فجر دول الخليج للحرب قد يؤدي إلى استنزاف الموارد الاقتصادية لها، سواء عبر سباق التسلح أو عبر الانخراط المباشر أو غير المباشر في الصراع ، وهو هدف أمريكي .
هذه السيناريوهات في قراءة تلك الملفات ، تفتح الباب أمام قراءة تقوم على أن المواجهة لا تستهدف طرفًا واحدًا فقط، بل قد تؤدي عمليًا إلى إنهاك أطراف متعددة في المنطقة منهم دول الخليج ، التي تمتلك اقتصادات تعتمد بدرجات متفاوتة على استقرار أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
فأي صراع واسع النطاق بالقرب من ممرات النفط الحيوية سيضع هذه الاقتصادات أمام ضغوط مالية وأمنية كبيرة. فزيادة الإنفاق العسكري، وارتفاع تكاليف التأمين على النقل البحري، واحتمالات تعطّل الإمدادات، كلها عوامل قد تستنزف الموارد على المدى المتوسط والطويل.
لكن في المقابل هذه القراءة تظل واحدة من عدة تفسيرات لمجموعة ملفات مطروحة أمام صانع القرار في أمريكا .لذلك قد يكون التصعيد نتيجة تفاعل عدة عوامل في آن واحد: المخاوف الأمنية، المنافسة الجيوسياسية، الحسابات الاقتصادية، والاعتبارات السياسية الداخلية.
في النهاية، ما يُعلن في الخطاب الرسمي يمثل جزءًا من الصورة، بينما تبقى أجزاء أخرى مرتبطة بحسابات استراتيجية لا تظهر بالكامل للرأي العام.
النتيجة الأهم : هي أن أي مواجهة واسعة في الخليج لن تكون مجرد صراع ثنائي بين دولتين، بل حدثًا قد يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية والسياسية في العالم بأسره.
لذلك فإن البحث عن حلول دبلوماسية وتخفيف حدة التصعيد يبقى الخيار الأكثر عقلانية، ليس فقط لدول المنطقة، بل للإقتصاد العالمي ككل
