
في حوار بودكاست استثنائي اتسم بالجرأة والمكاشفة، أداره الإعلامي والإذاعي اللامع عبد اللطيف المناوي مع وزير الثقافة الأسبق والفنان التشكيلي العالمي فاروق حسني، فُتح ملف “الإسكندرية بين أزمنة الجمال والواقع المؤلم”. الحوار لم يكن مجرد استرجاع لذكريات، بل كان شهادة حيّة وصادمة من فنان مرهف الحس، يملك قاموساً من الأدب والوعي، ويعرف جيداً قيمة تفاصيل المدينة التي شكلت وجدانه.
من “الحجاري” إلى “الأنفوشي”.. نشأة في قلب الجمال
فاروق حسني، السكندري المنشأ وابن البلد الواعي، استعاد الأيام التي كان يرتاد فيها شوارع وحواري وحواشير الإسكندرية في عصرها الذهبي. تحدث عن مسقط رأسه في منطقة بحري العريقة، وتحديداً شارع “الحجاري”، وكيف شاهد بعينيه تاريخ وحضارة عروس البحر الأبيض المتوسط من نافذة صرح ثقافي وتنويري كبير ما زال يؤدي دوره حتى اليوم، وهو “قصر ثقافة الأنفوشي” الذي تولى رئاسته في بداياته الثقافية. من هذا المزيج الساحري بين البحر والعمارة والنظافة، انطلقت ريشته الذهبية لتغزو العالم.
الشهادة المطلقة: عندما تفوقت الإسكندرية على فرنسا
فجر الفنان فاروق حسني خلال البودكاست مفاجأة تاريخية، أطلق عليها النقاد “الشهادة المطلقة” التي لا تقبل الإنكار؛ حيث أكد أنه عندما ترك الإسكندرية في شبابه وتوجه إلى فرنسا، وشاهد شوارعها وحواريها، حمد الله في سره لأن شوارع الإسكندرية وأزقتها في ذلك الوقت كانت تفوق شوارع فرنسا نظافةً، وتنظيماً، وجمالاً معمارياً. لقد ذهب إلى أوروبا يبحث عن الإسكندرية هناك، ليفاجأ بأن مدينته الأم هي النموذج الأنقى للتحضر والرقي السلوكي والمعماري.
يد “المهملين” لا يد “الإهمال”
وهنا يضع المقال يده على الجرح الحقيقي؛ فالمدينة لم تتراجع بفعل “الإهمال” ككلمة مجردة أو كقضاء وقدر، بل تراجعت بفعل “يد المهملين”. أولئك الذين تسلموا هذه الجوهرة المشعة عبر العقود وأوصلوها—بسوء الإدارة والتغاضي عن العشوائية والقمامة—إلى ما وصلت إليه اليوم من تشويه بصري وبيئي.
الكلمة البليغة: “إسكندرية اتشلفطت!”
وفي ذروة الحوار، وجه الإعلامي عبد اللطيف المناوي سؤالاً مباشراً لوزير الثقافة الأسبق: “هل تزور الإسكندرية وتراها الآن؟”، فجاءت إجابة ابن البلد صادمة وحزينة: “لا.. حتى بيتي الذي أمتلكه هناك على أطراف طريق مرسى مطروح لا أذهب إليه”. وعندما سأله المناوي عن السبب، لخص فاروق حسني المأساة بكلمات بليغة ونابعة من قلب يتقطع حزناً: “إسكندرية بقت زحمة.. إسكندرية بقت كلها قمامة.. مش هي دي الإسكندرية اللي أنا سبتها وعرفت قيمتها في فرنسا.. إسكندرية اتشلفطت!”.
إن كلمة “اتشلفطت” على عاميتها، تحمل دلالة تشكيلية مرعبة؛ فهي تعني تشويه الملامح الجميلة، وبعثرة الألوان الساحرة، وتحويل اللوحة النادرة إلى ركام من العشوائية. هي صرخة من فنان عالمي ووزير تاريخي، تدق ناقوس الخطر أمام المسؤولين وأمام المجتمع، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من جسد عروس البحر التي أثخنتها جراح المهملين
