
في خطوة أثارت ارتدادات واسعة في الوسط الثقافي والسينمائي المصري والمتوسطي، فجّر الكاتب والنقاد الكبير الأمير أباظة مفاجأة من العيار الثقيل، بإعلانه الاستقالة الرسمية من رئاسة الدورة القادمة لمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط. وجاء هذا القرار النبيل صادرًا من قناعة شخصية راسخة تؤمن بأن “الأشخاص إلى زوال وتبقى القيمة الحقيقية للمؤسسات”، مضحياً بموقعه الإداري من أجل استمرار رسالة هذا الصرح العريق كمنارة مضيئة في جبين الثقافة.
ثلث قرن من الديمقراطية والتزكية
ولحفظ حقائق التاريخ بعيداً عن الصراعات الهامشية أو المصالح الضيقة، حرص الأمير أباظة في بيانه على التذكير بالشرعية الديمقراطية التي استند إليها طوال مسيرته؛ حيث أكد أنه لم يفرض نفسه يوماً على المشهد، بل جاء مدفوعاً بثقة عمومية مطلقة. فقد انتخبته الجمعية العمومية للجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما—والتي تضم صفوة ونخبة صناع النقد والكلمة—بأعلى الأصوات لأكثر من خمس مرات على مدار ثلاثين عاماً، كما اختاره مجلس الإدارة بالتزكية رئيساً للجمعية وللمهرجان لسنوات طويلة.
وأوضح أباظة أن مجلس الإدارة الحالي، بقاماته الفكرية الكبيرة، كان وما زال حريصاً على استمراره في قيادة السفينة، إلا أنه آثر وضع مصلحة المهرجان فوق أي اعتبار شخصي، رامياً وراء ظهره كل محاولات التشويه أو التحريض من قِبل من وصفهم بـ”أصحاب المصالح الصغيرة والمغيبين”، مؤكداً أن ثقة الجماعة الثقافية التي طوّقت عنقه لأكثر من ثلث قرن لم تكن مجاملة، بل نتاج جهد مخلص وعشق ممتد منذ أن دخل هذه الجمعية شاباً صغيراً حتى ابيضّ منه الشعر.
مسيرة حافلة وكواليس تجديد الدماء
واستعرض البيان محطات من المسيرة الفكرية والنقابية للأمير أباظة، مشيراً إلى تقديمه 26 كتاباً في السياسة والفن والتاريخ، بجانب عضويته في اتحاد كتاب مصر منذ عام 2013 وتوليه أمانة الصندوق سابقاً، وصولاً إلى إعادة انتخابه عضواً بمجلس إدارته في عام 2026.
وفي كشف كواليس قراره، أشار أباظة إلى أنه بادر منذ عدة أشهر بالاتصال بصديق عمره الدكتور وليد سيف، عارضاً عليه تولي رئاسة المهرجان بهدف تجديد الدماء وتطوير نمط العمل برؤية مختلفة، مستنداً إلى كفاءة سيف الذي سبق وترأس الدورة الثامنة والعشرين للمهرجان وكان أباظة نائباً له حينها. إلا أن الدكتور وليد سيف رفض العرض لظروف اعتبرها أباظة “واهية” نظراً لثقته الكبيرة في إمكاناته العلمية، ليقف الطرفان عاجزين عن تقديم اسم بديل يليق بإدارة ثاني أقدم مهرجان سينمائي في مصر.
كواليس مجلس الإدارة وحملات التشويه
وحول ما دار داخل أروقة مجلس الإدارة، أكد الأمير أباظة أنه عندما طرح أحد الأعضاء فكرة التغيير وافق فوراً وطلب ترشيح البديل، لكن الأسماء المطروحة لم تحظَ بموافقة أغلبية أعضاء المجلس، مما أدى لتأجيل الاجتماع أسبوعين. وفي مداولات لاحقة، طلب صاحب اقتراح التغيير من أباظة ترشيح اسم ودعمه، وهو ما رفضه الأخير رغبة منه في الابتعاد الكامل عن المشهد والمسؤولية.
ونظراً لعدم الوصول إلى اسم يحظى بالإجماع، اقترح ستة أعضاء إعادة ترشيح الأمير أباظة إنقاذًا للموقف، وهو ما قوبل برفض عضوين فقط (من أصل تسعة أعضاء حضروا من إجمالي أحد عشر عضواً). وعقب ذلك، تزامنت الأحداث مع حملة تشهير وتشويه ممنهجة، تلتها قرارات وصفت بـ”المؤلمة لكل مثقف غيور” صدرت خلال اجتماع لجنة المهرجانات السينمائية بوزارة الثقافة، مما دفع الأمير أباظة لاتخاذ قراره الحاسم بأن تكون الاستقالة نابعة من إرادته الحرة دون إملاءات من داخل الجمعية أو خارجها.
الرهبنة في محراب الفن السابع
واختتم الأمير أباظة بيانه بكلمات مؤثرة، معلناً ترك الفرصة كاملة لمجلس الإدارة لاختيار من يراه مناسباً لقيادة المرحلة القادمة، ومستذكراً تاريخه الطويل مع المهرجان منذ عودته عام 1988 على يد الفنان فاروق حسني. وتدرج أباظة في مناصب المهرجان من مدير للمركز الصحفي، إلى أمين للصندوق، ثم أمين عام، فمدير للمهرجان، ونائب للرئيس، وصولاً لسدة الرئاسة.
وعلى مدار 13 دورة تحت قيادته، نجح المهرجان في تكريم رواد السينما المصرية والعربية والمتوسطية من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، وتنظيم مئات الندوات والورش، وإصدار أكثر من 200 كتاب أسست لمكتبة “كتاب السينما”، لتظل أحلام هذا الصرح ممتدة تنتظر الأجيال القادمة. وودع أباظة المهرجان بعبارة بليغة قائلاً: “شكراً مهرجان الإسكندرية.. فقد هرمت في جنباتك”، مؤكداً أن السينما ومصر هما دائماً الغاية والوسيلة من قبل ومن بعد.
