
من واقع الخبرة الطويلة في بلاط صاحبة الجلالة، ومن واقع المتابعات الميدانية الدقيقة، والمقابلات الحثيثة مع مختلف الأطراف، ناهيك عما يصلنا خلف الكواليس من أخبار موثقة لا تقبل الشك؛ وصلنا إلى قناعة راسخة تستوجب المواجهة والمكاشفة دون مواربة.
نقولها بملء الفم: “كل واحد فاكر نفسه إن هو ومن بعده الطوفان، أو متخيل إنه بيجيب الديب من ذيله.. يقعد على جنب وبلاش فزلكة وكلام ما لوش لازمة!”. فالواقع اليوم كشف كل الأوراق، وأظهر عورات منظومة المصالح الضيقة التي تظن واهمة أنها تدير المشهد بذكاء.
حينما نتأمل الصورة الشهيرة لأفراد عصابة “ريا وسكينة” وهم يضعون أيديهم فوق بعضهم البعض تعهداً بالقسم، نكتشف مفارقة صارخة؛ فحتى الحرامية واللصوص والقتلة كان بينهم نوع من “العهد والميثاق” لإنجاح جريمتهم وحماية بعضهم البعض. لكن في زمننا هذا، تخطى أصحاب الفساد والمستفيدون من خرق القوانين وسرقة جهود الآخرين كل الخطوط الحمراء، وأثبتوا أنه ليس لهم عهد، ولا دين، ولا ميثاق! ينتهي عهدهم بمجرد انتهاء المصلحة، وينقلب بعضهم على بعض عند أول منعطف.
ولعل التاريخ الإجرامي والاجتماعي يذكرنا دائمًا بنماذج صارخة لغياب الضمير؛ كطائفة “الهناجرة” – وهم فريق من اللصوص المعروفين تاريخياً – الذين لم يترددوا في الذهاب إلى العمرة والحج! ولم يكن ذهابهم إلى الأراضي المقدسة إيماناً أو مراعاةً للمشاعر الدينية، لا والله! بل كانوا يذهبون لأن تلك الرحلات بمثابة “مصاريف واستثمار” يُدفع لأشخاص يمثلون لهم مصدر الرزق الحرام، والأدهى من ذلك، أن الهدف الأساسي من الذهاب كان “السرقة”.. سرقة حجاج بيت الله الحرام وهم في أطهر بقاع الأرض!
أي ضمير هذا الذي يسمح لصاحبه بالسرقة في رحاب بيت الله؟ الإجابة واضحة: “كل فاسد يفتقد للضمير”، وهي مقولة معرفية وتاريخية مجربة. الفساد لا يتجزأ، ومن يسترخص مجهود الأخر، ويسهل خرق القوانين، ويتاجر بمستقبل الأجيال من أجل حفنة من المال، لا يختلف إطلاقاً عن أولئك الذين يسرقون الحجاج؛ فالمنطلق واحد وهو غياب الضمير الإنساني والديني.
إن ما يحدث من محاولات لضرب تكافؤ الفرص واغتيال جهود الشرفاء، يستدعي منا جميعاً وقفة حاسمة. فالفساد اليوم لم يعد مجرد انحراف سلوكي، بل بات شبكة مصالح يظن أطرافها أنهم فوق الحساب، ولكننا نذكرهم بأن عروش الفساد واهية، وأن عهود الخيانة لا تدوم، والتاريخ لا يرحم من خان الأمانة واستحل عرق وتعب الشرفاء.
