
من واقع المتابعات الميدانية اللصيقة، والمشاورات والمداولات المستمرة في الأوساط الصحفية والإعلامية، ناهيك عما يرد إلينا من معلومات دقيقة وموثقة من مصادر قريبة جداً من كواليس العالم الرقمي؛ تكشفت لنا حقيقة لا تقبل الجدال: إن “كتابة المنشورات” (البوستات) على شبكات التواصل الاجتماعي قد تحولت إلى “حرفة وصناعة”، كما أن صياغة “التعليقات” وتوجيهها باتت علماً وفناً يُدار بمقاييس دقيقة لخلق انطباعات معينة لدى الرأي العام.
ومن خلال رصدنا المقرب جداً للأفكار والآراء والأطروحات المتباينة التي تمتلئ بها الفضاءات الإلكترونية، استطعنا تصنيف “كتّاب وصنّاع المحتوى” في المشهد الحالي إلى أنماط متباينة، تعكس دوافع ومآرب شخصية ووظيفية، بعيدة كل البعد عن التقييم الموضوعي للأحداث:
فريق “العازفين والمصفقين”: وهم أولئك الذين تخصصوا في الإشادة المطلقة والمدح الجاهز دون قراءة أو وعي، حيث ينحصر دورهم في إطلاق عبارات الثناء الرنانة، والتطبيل لكل قرار دون تمحيص.
فريق “المتملقين بامتياز”: وهؤلاء هم من يبالغون في الانحناء أمام المسؤولين، واضعين أنفسهم ومدارسهم الفكرية بالكامل “تحت أقدام الكراسي والمناصب”، طمعاً في رضا أو حظوة، حتى لو تطلب الأمر التغاضي عن الحقائق الجلية.
فريق “راكبي الموجة”: وهم البراغماتيون الذين لا يملكون موقفاً ثابتاً، بل ينتظرون اتجاه الريح؛ فإذا مالت الدفة يميناً مالوا معها، وإذا مالت يساراً ركبوا الموجة وتصدروا المشهد للظهور بمظهر الأبطال.
فريق “أصحاب الأدوار المسبقة والملقَّنين”: وهؤلاء يتحركون بموجب تعليمات تُملى عليهم بدقة؛ يُقال لهم ماذا يكتبون، وكيف يعلقون، ومتى يصمتون، فهم مجرد أدوات في أوركسترا تُدار من خلف الستار.
فريق “المضطرين قسراً”: وهم فئة تكتب وتجاري السياق العام بدافع المحافظة على لقمة العيش و”عشان يعيشوا”، مدفوعين بضغوط واقعية تجعلهم يسايرون الأجواء السائدة رغماً عن قناعاتهم الداخلية.
فريق “تائهي الموجة”: ويا ولداه على هذا الفريق! فهم أولئك الذين يفتقدون للوعي والمعرفة بالأبعاد الحقيقية للأحداث، لكنهم يصرون على المشاركة وركوب الموجة على قاعدة التخبط الأعمى، فشعارهم في التعاطي مع القضايا “كله عند العرب صابون”، دون تفريق بين الغث والسمين.
إن هذا التباين الصارخ في التعاطي مع الأحداث والقضايا العامة على منصات التواصل الاجتماعي، يؤكد أن الفضاء الرقمي لم يعد ساحة للتعبير العفوي عن آراء الشعوب، بل أصبح سوقاً عكاظياً تحكمه “الحرفة” والمصلحة والتوظيف.
لذا، فإن الوعي الحقيقي اليوم يتطلب من القارئ والمواطن الفطن ألا ينخدع ببريق الكلمات اللامعة، وألا يسير خلف “القطعان الرقمية المبرمجة”، بل عليه دائمًا أن يمحص الآراء، ويبحث عن الضمير المهني الصادق الذي يضع مصلحة الوطن والمجتمع فوق كل اعتبار زائف.
