
رئيس مجلس إدارة مجموعة كيانات بوابة المحروسة الإخبارية
لم تعد معركة الدولة المصرية ضد الفساد مجرد شعارات تُرفع أو “بوستات” تُكتب على منصات التواصل الاجتماعي؛ بل تحولت في الساعات القليلة الماضية إلى واقع عملي ملموس يعيد ترتيب الأوراق ويكشف خبايا المنظومات المتشابكة. إن ما نتابع اليوم من كواليس وتطورات متلاحقة، عقب قرار النيابة العامة بحبس صبري نخنوخ وتوقيف تسعة من أبرز معاونيه، يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الدولة تتحرك بـ “مشرط الجراح” لتفكيك شبكات المصالح التي تصورت واهمة أنها فوق طائلة القانون.
«فرط السبحة» وتفكيك الشبكات العنكبوتية
إن الشواهد الميدانية، ومنها الأنباء المتواترة عن التحفظ على تسع سيارات ومحاولات نقل ملكيتها بشكل مفاجئ عقب التوقيف، تعكس “سيكولوجية الفزع” التي أصابت هوامير الفساد. فالأمر هنا لا يتعلق بحالات فردية معزولة، بل نحن أمام “شبكة تواصل عنكبوتية” متماسكة، بمجرد أن فرطت حبتها الأولى، تداعت باقي الحبات. ورغم مظاهر التبجح والمظهرية الزائفة التي قد يحاول بعض الفاسدين إبداءها في ملاذاتهم، إلا أنهم من الداخل يعتصرون قلقاً وخوفاً، لإدراكهم أن قطار المحاسبة قد انطلق بالفعل ولن يتوقف.
وهنا تبرز الأهمية البالغة للتحرك الإستراتيجي الحاسم للأجهزة الأمنية وجهات التحقيق، التي فرضت سيطرتها الكاملة على الأحراز والمستندات. وهذا يذكرنا بعقيدة الدولة العميقة في إدارة الأزمات والمحطات التاريخية الفارقة، مثلما حدث سابقاً في حماية وثائق ومستندات الأمن الوطني الحيوية؛ فرغم محاولات البعض بعثرة الأوراق وتدمير الأدلة بفعل فاعل، إلا أن الحقائق الصلبة والأصول الدامغة تظل دائماً محفوظة في مكان أمين تحت الأرض، تخرجها الدولة بالمسطرة القانونية وفي التوقيت الإستراتيجي المناسب لإرساء العدالة.
تفعيل إرادة القيادة السياسية: «مفيش حاجة هتعدي كده»
لقد حان الوقت لترجمة الكلمات إلى سياسات حاكمة على أرض الواقع، والالتفاف خلف الإرادة السياسية الواضحة التي أعلنها سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي حين أكد بحسم: “أن كل واحد هيدفع التمن ومفيش حاجة هتعدي كده”. هذه المعادلة الوطنية تقتضي الانتقال الفوري من مقاعد المتفرجين والاطروحات التي تُدار “من تحت لتحت” إلى مرحلة المواجهة الشاملة والإيجابية؛ حيث يصبح الإبلاغ عن مواطن الفساد واجباً وطنياً، وهو ما يتطلب بالضرورة ترسيخ آليات تشريعية وتنفيذية قوية توفر الحماية الكاملة للمبلغين لضمان تفكيك تلك البؤر المغلقة بأمان.
إننا نرددها دائماً لتصبح عقيدة راسخة في الأذهان: يا سادة.. هذه الدولة مش هتقوم، هذه الدولة قامت بالفعل، وهي واقفة على قدمين ثابتتين، ومؤسساتها السيادية والتنفيذية تعي جيداً أبعاد تحركاتها والمدى الزمني لإستراتيجياتها.
ملف المحليات بالإسكندرية وحتمية بتر الأيادي المرتعشة
ومع استمرار عملية التطهير الخارجي لشبكات الفساد المالي، لا يمكن أن تكتمل المنظومة دون الالتفات إلى “البيت الداخلي” للجهاز الإداري والتنفيذي. فالمتابعة الحثيثة للشأن المحلي في محافظة الإسكندرية تشير بوضوح إلى أن بعض القيادات التنفيذية الحالية لم تعد تصلح للتواجد في مواقعها، وباتت عبئاً على حركة التنمية المستهدفة.
إن الشارع السكندري، والأوساط الصحفية والنخبوية القريبة من دوائر صنع القرار، يتطلعون بكثير من الرجاء والدعم إلى معالي المحافظ المهندس أيمن عطية للإفراج عن حركة رؤساء الأحياء وسكرتيري العموم، المؤجلة والمحفوظة داخل الأدراج. إن الإسكندرية تحتاج اليوم، وبنفس السرعة والحسم اللذين أُديرت بهما القرارات الأخيرة، إلى ضخ دماء جديدة على قدر المسؤولية؛ قيادات تمارس دورها بشجاعة بعيداً عن “الارتعاش في اتخاذ القرار” أو “الاهتزاز في الإمساك بالقلم”.
لقد أثبتت التجربة أن الكراسي زائلة ولا يدوم إلا الأثر الطيب والعمل الصالح؛ ونحن في “بوابة المحروسة” لا نكتب رغبة في ركوب ترند عابر، بل نكتب ليبقى الأثر شاهداً على مسيرة دولة تأبى الانكسار وتصر على التطهر والوقوف في طليعة الأمم.. وإننا لمنتظرون.
