
أثبتت الساحرة المستديرة مجدداً، وبما لا يدع مجالاً للشك، أنها لم تعد مجرد لعبة ترفيهية، بل هي ملف سيادي وقضية “أمن قومي” من الطراز الأول في مصر؛ فهي القوة الفيدرالية الوحيدة القادرة –بلا منافس– على إزاحة هموم المعيشة الثقيلة وضغوط الاقتصاد عن كاهل المواطن البسيط.
فخلف هذا الانتصار الكروي، تنفس الشباب الصعداء وتناسوا مرارة البطالة، وتبدلت هموم ربات البيوت بزغاريد الفرحة التي هزت الجدران، وتناسى السائقون أزمات أسعار الوقود ليطلقوا العنان لآلات تنبيه سياراتهم في كرنفالات بهجة عارمة اجتاحت الشوارع والميادين.
ولعل المشهد الأكثر غرابة وإثارة للدهشة، هو التفاف الجميع بصوت واحد يملؤه الشجن والفرح في آن واحد، مرددين: “والسؤال اللي في راسي.. ازاي يا مصر بتعمليها ازاي؟!”؛ وهو في حقيقته سؤال استنكاري، محير، وموجع في آن واحد. إذ كيف تولد هذه الفرحة الطاغية من ركام العشوائية، والملفات الشائكة، والفساد المالي والإداري الذي بات القاصي والداني يعلمه داخل هذا الوسط الرياضي؟
مقارنة كاشفة: احترافية الأطلسي في مواجهة عشوائية الفراعنة
وحين يخرج البعض لعقد مقارنات مع تجارب إقليمية ناجحة كالتجربة المغربية، بدعوى تماثل الظروف والمناخ، فإن الواقع والمقارنة الدقيقة يفضحان حجم التخبط الإداري لدينا؛ ففي المملكة المغربية الشقيقة (والتي عايشنا تجربتها ورصدناها عن قرب على أرض الواقع)، جاء النجاح نتاجاً طبيعياً لمنظومة “تخطيط وتنفيذ” صارمة لمشروع إستراتيجي ممتد، يقوم على الاستقرار الفني المتوارث بين الأجهزة الفنية لنحو 5 سنوات متصلة، مما أثمر عن تصدير أكثر من 850 لاعباً محترفاً وناشئاً بداخل الملاعب الأوروبية.
أما على الجانب الآخر في مصر، فإننا نعيش حالة من “الجنون والصراعات” المستمرة، واعتماد سياسة إدارة الأزمات “بالقطعة”! ولعل خير دليل على ذلك هو جهاز “العميد” حسام حسن، الذي تولى المسؤولية الفنية للمنتخب عام 2024 في أجواء مشحونة ومعقدة؛ وبدلاً من توفير الدعم والمساندة له، تفرغت إدارة اتحاد الكرة لتصدير الأزمات والعراقيل للمشروع الوطني، بل وحاولت إقالته مراراً وتكراراً، في بلد لا يملك في الكوكب بأكمله سوى 12 لاعباً محترفاً فقط بمسابقات الخارج!
مخطط إفقار الأندية الشعبية.. منبع النجوم في مهب الريح
إن المفاجأة الكبرى والصادمة التي يجب أن نضعها أمام الرأي العام، هي أن أنديتنا الشعبية والجماهيرية العريقة –والتي صدرت وأخرجت ما يعادل 90% من القوام والعمود الفقري الحالي لمنتخبنا الوطني– تُرِكت بفعل فاعل لتغرق في ديونها ولتواجه شبح الإفقار والتعجيز المالي، لحساب صعود وتوغل أندية الشركات والكيانات التجارية، وسط سلبية تامة وموقف متفرج من اتحاد الكرة ووزارة الشباب والرياضة. ومن واقع القراءة التحليلية، أستطيع القول تحديداً إنه سيصعب كثيراً، بل قد يستحيل على هذه الكيانات الجماهيرية إعادة إنتاج وتصدير أجيال كروية جديدة في المستقبل تحاكي الجيل الحالي.
وبنظرة فاحصة على جغرافية تشكيل المنتخب الوطني الحالي، ستجده نتاجاً خالصاً لقلب الشارع المصري والأقاليم والأندية الشعبية، وليس وليداً لأكاديميات الشركات:
محمد صلاح (ابن بسيون وناشئ المقاولون العرب)
زيكو (جمهورية شبين)
مروان عطية (الاتحاد السكندري)
إمام عاشور (غزل المحلة)
دونجا (بلدية المحلة)
رامي ربيعة، أحمد سيد زيزو، وياسر إبراهيم (أبناء نادي المنصورة العريق)
حمدي فتحي (ألعاب دمنهور)
محمود حسن تريزيجيه (كفر الشيخ)
حمزة عبد الكريم، مهند لاشين، ومحمد عواد (أبناء قلعة الدراويش – النادي الإسماعيلي)
المهدي سليمان (ابن المحلة وناشئ إنبي)
أحمد فتوح (نادي الزمالك)
محمد الشناوي (نادي الحامول بكفر الشيخ)
عمر مرموش (وادي دجلة)
محمد عبد المنعم (أكاديميات وملاعب الشرقية وناشئي الأهلي)
إبراهيم عادل (ناشئ نادي المريخ البورسعيدي)
هؤلاء الأبطال لم يولدوا في الفضاء، ولم يكونوا يوماً نتاجاً لأندية مؤسساتية، بل هم نبض الأقاليم والأندية الشعبية التي يهدد نظام المسابقات الحالي بالقضاء عليها تماماً. ورغم كافة المحاولات والمسارات الإصلاحية التي قُدمت للمنظومة الاتحادية، إلا أنها لم تجدِ نفعاً مع المسؤولين، في وقت تقف فيه وزارة الشباب والرياضة موقف المتفرج، متذرعة بـ “فزاعة التدخل الحكومي” لتجنب محاسبة المقصرين وفحص الملفات. ولذلك، يصبح من الطبيعي جداً عندما ينتصر المنتخب، أن نكون قد انتصرنا بـ “الروح المصرية والجدعنة” الخالصة، ونعود مجدداً لنسأل بتعجب: “إزاي يا مصر بتعمليها؟!”.
