عندما بكى ثغر الإسكندرية: ذكرى دك الأسطول البريطاني للمدينة وبداية 74 عاماً من الاحتلال
بقلم الكاتب الصحفي: سعيد سليم
رئيس مجلس إدارة مجموعة كيانات بوابة المحروسة
تأبى الذاكرة السكندرية والوطنية أن تنسى ذلك اليوم العصيب، الحادي عشر من يوليو عام 1882، حينما استيقظ أهالي الإسكندرية على دوي مدافع الأسطول البريطاني وهي تقصف شواطئ المدينة وقلاعها التاريخية من البحر. لم يكن هذا القصف مجرد عملية عسكرية عابرة، بل كان طعنة غادرة في قلب الدولة المدنية المصرية، ومقدمة استعمارية لفرض احتلال بريطاني جاثم بركامه على أنفاس الوطن لما يزيد عن أربعة وسبعين عاماً. إن إحياء هذه الذكرى اليوم في “بوابة المحروسة” ليس مجرد بكاء على الأطلال، بل هو واجب وطني لتوثيق صمود هذا الشعب وكشف ألاعيب القوى الاستعمارية.
1. المؤامرة والدريعة الزائفة: كيف خُلق المبرر لضرب الإسكندرية؟
بدأت خيوط المؤامرة تُنسج في لندن عندما أدركت بريطانيا أن الروح الوطنية المتمثلة في الثورة العرابية، وحق مصر في بناء جيش قوي وحكم دستوري، يهدد مصالحها الاستعمارية وطريق تجارتها إلى الهند عبر قناة السويس. ومن هنا، بدأت بريطانيا تبحث عن “ذريعة” تبرر بها التدخل العسكري المباشر.
وجاءت تلك الذريعة المصطنعة عبر ما عُرف تاريخياً بـ “مذبحة الإسكندرية” أو فتنة المالطي، التي اندلعت شرارتها في يونيو 1882، لتبدأ الماكينة الإعلامية والسياسية البريطانية في تصوير المدينة على أنها بؤرة للفوضى تهدد الرعايا الأجانب. ورغم محاولات الحكومة المصرية لتهدئة الأوضاع، أرسل الأدميرال البريطاني “بوشامب سيمور” إنذاراً نهائياً للحكومة المصرية يطالبها فيه بوقف أعمال التحصين وترميم القلاع في الإسكندرية وتسليم المدافع، وهو الأمر الذي رفضته الإرادة الوطنية كونه انتهاكاً صارخاً لسيادة الدولة.
2. صمود القلاع الباسلة: بطولات دُفنت تحت رماد القصف
في تمام الساعة السابعة من صباح يوم 11 يوليو، انطلقت القذيفة الأولى من البارجة البريطانية “إليكساندرا”، لتبدأ عشر بوارج بريطانية عملاقة دك حصون المدينة وقلاعها (قلعة قايتباي، قلعة الأنفوشي، وقلعة صالح). وعلى مدار ساعات متواصلة، تحولت الإسكندرية إلى كتلة من اللهب والنيران التي التهمت الأحياء السكنية التاريخية والمباني الحكومية.
ورغم الفارق المرعب في القوة العسكرية والتكنولوجية بين المدافع المصرية القديمة والترسانة البريطانية الحديثة، إلا أن الجنود والضباط المصريين في قلاع الإسكندرية سطروا ملحمة من الصمود البطولي. فقد ظلوا يطلقون قذائفهم حتى الرمق الأخير، ورفضوا التخلي عن مواقعهم رغم أن القلاع كانت تتهاوى فوق رؤوسهم، مما أجبر قادة الأسطول البريطاني على الاعتراف بشجاعة المقاتل المصري في تقاريرهم الرسمية.
3. بداية الحقبة المظلمة: الثمن الفادح للاحتلال الإنجليزي
لم ينتهِ قصف الأسطول عند حدود الشواطئ، بل أعقبه إنزال للقوات البريطانية واحتلال كامل للمدينة بعد انسحاب الجيش المصري بقيادة أحمد عرابي نحو كفر الدوار لتنظيم خطوط الدفاع. وفتح هذا القصف الباب لتدفق جحافل جيش الاحتلال الإنجليزي التي وصلت إلى القاهرة لاحقاً، لتبدأ أطول حقبة استعمارية في تاريخ مصر الحديث.
إن تذكر هذا اليوم هو تنشيط دائم للوعي القومي وتأكيد لجيل الشباب بأن هذه المدينة، الإسكندرية العريقة، لم تكن يوماً مجرد مصيف أو شاطئ عابر، بل كانت ولا تزال حائط الصد الأول والدفاع الاستراتيجي عن أمن مصر القومي. ونحن في بوابة المحروسة، نرى أن حماية تاريخ هذا الثغر وتوثيق أرشيفه هو الضامن الحقيقي لبناء المستقبل وحفظ كرامة القلم والهوية.
