الرئيسية الإسكندرية في مواجهة مصيرها.. جراحٌ عميقة تنزّ ومحافظٌ جديد على الأبواب

الإسكندرية في مواجهة مصيرها.. جراحٌ عميقة تنزّ ومحافظٌ جديد على الأبواب

Share
1 عدد المشاهدات
Share

الإسكندرية في مواجهة مصيرها..

جراحٌ عميقة تنزّ ومحافظٌ جديد على الأبواب

بقلم الكاتب الصحفي / سعيد سليم رئيس

مجلس إدارة مجموعة كيانات بوابة المحروسة                

لم تكن الإسكندرية يوماً مجرد مدينة؛ بل كانت ولا تزال قصيدةً شامخة نُقشت على جبين البحر المتوسط، عروساً لا تُضاهى كتبت بين ثناياها أعظم الحضارات وأروع الملاحم. غير أن هذه العروس الجميلة تئنّ اليوم تحت وطأة إهمالٍ متراكم، وتعاني من جروح متعددة أنهكت جسدها وأضعفت بريقها، في مشهد يدفع كلَّ غيورٍ عليها إلى أن يصرخ بأعلى صوته: يكفي!

في خضم هذا الواقع المؤلم، تتجدد آمال أبناء الإسكندرية مع تكليف محافظٍ جديد على رأس إدارة هذه المدينة العريقة. وما بين ثقل الإرث الحضاري الذي تحمله الإسكندرية، وثقل الإخفاقات التي تراكمت عبر السنوات، يبقى السؤال الجوهري معلّقاً في الهواء: هل سيكون هذا التغيير نقطة انعطافٍ حقيقية نحو مستقبل أفضل، أم مجرد وجه جديد لنفس المنظومة القديمة؟

أولاً: سرقة التيار.. جريمة في وضح النهار

في مشهدٍ يكاد يُصوَّر في كتب التاريخ باعتباره نموذجاً صارخاً للفوضى التي يمكن أن تضرب مدينة عظيمة، تنتشر ظاهرة سرقة التيار الكهربائي في أحياء الإسكندرية انتشار النار في الهشيم. أحياء بأكملها تحتكم إلى توصيلاتٍ عشوائية وأسلاك مكشوفة تتدلى من العمارات كأفاعٍ متشابكة، بينما تُحمَّل شبكة الكهرباء العامة أضعاف طاقتها الاستيعابية، وتدفع الدولة ثمن هذا النزف المستمر من ميزانية المواطنين جميعاً.

والمفارقة المحزنة أن هذه الجريمة لا تجري في الظلام، بل تُرتكب في وضح النهار وعلى مرأى من الجميع، دون أن تتحرك لها ساكنة أو يتصدى لها مسؤول. وكأن القانون قد عُلِّق على مشانق الإهمال، وباتت الجريمة الموثّقة والمُعلنة أمراً مألوفاً لا يستدعي حتى رفع حاجب.

الأخطر من البُعد المالي هو البُعد الأمني؛ فهذه الأسلاك العارية والتوصيلات المتشابكة باتت قنابل موقوتة تتربص بالمارة والأطفال الذين يلعبون في الشوارع. وقد شهدنا على مدار السنوات الماضية حوادث مأساوية ناجمة عن هذه الفوضى الكهربائية، لم تُوقف للأسف قطار الإهمال المتواصل.

ثانياً: الأسواق العشوائية.. حين يُسرق الرصيف من أصحابه

حين تمشي في شوارع الإسكندرية، تجد نفسك أحياناً أمام مشهدٍ سريالي مُحيِّر: الرصيف الذي هو حقٌّ أصيل للمشاة قد ابتلعته بسطات الباعة العشوائية، ولا مجال للمشي إلا في شق السيارات بكل ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر جسيمة تطال الأطفال وكبار السن والجميع على حدٍّ سواء.

الأسواق العشوائية لم تكتفِ باحتلال الأرصفة، بل تمددت لتبتلع الميادين العامة وتُحوّل بعض المناطق الحيوية إلى ما يشبه الفوضى المنظّمة. ميادين كانت يوماً متنفساً للسكان وواجهةً حضارية للمدينة، تحوّلت اليوم إلى تجمعات عشوائية تفتقر إلى أدنى معايير النظافة والتنظيم.

ما الذي يقوله هذا المشهد عن هيبة القانون وقدرة الأجهزة التنفيذية على فرض النظام؟ يقول الكثير، وكله مؤلم. فالتسيّب الذي تجسّده هذه الأسواق ليس مجرد انتهاكٍ لقانون البيع على الأرصفة، بل هو رسالة ضمنية للمواطن مفادها أن لا أحد يحاسب، وأن القوي يفعل ما يشاء، وأن القانون حبرٌ على ورق.

ثالثاً: القمامة وغياب النظافة.. جرحٌ يُهين الحضارة

لو رأى الإسكندر الأكبر ما صارت إليه مدينته اليوم لدفن نفسه بنفسه خجلاً. القمامة باتت رفيقة الشوارع والأزقة بشكلٍ مقيت، والمقالب العشوائية تطفح على أطراف الأحياء وفي محيط المدارس والمساجد بصورة تُهدد الصحة العامة وتُشوّه المشهد البصري بالكامل.

مقالب القمامة المجاورة للمدارس ليست مجرد قضية جمالية، بل هي قضية صحية وأخلاقية واجتماعية بالغة الخطورة. الأطفال الذين يتوجهون صباحاً إلى مدارسهم يشمّون روائح التحلل ويتخطون أكوام النفايات قبل أن يجلسوا على مقاعد الدراسة. والمصلون الذين يتوضؤون ويتوجهون إلى بيوت الله يجدون أمامهم مقالب تُهين المكان وتُفسد الأجواء الروحية وتُكدّر صفاء العبادة.

كيف يتعلم طفلٌ النظافة والتربية الوطنية في بيئة يحاصرها التلوث من كل جانب؟ وكيف نطلب من مواطن أن يُحب مدينته وهو يرى كيف تُعامَل كمكبٍّ للنفايات؟ هذه أسئلة تستحق إجابات حقيقية، لا وعوداً موسمية تختفي مع أول عاصفة رملية.

رابعاً: انهيار العقارات.. موتٌ بالتقسيط

لعلّ أشد الجراح إيلاماً في خاصرة الإسكندرية هو ملف العقارات المتهالكة والمبانى الآيلة للسقوط. عقاراتٌ تهاوت وأخرى لم تُزل كلياً، وبقيت أنقاضها وأتربتها تسدّ الحواري والأزقة، محوّلةً طرقاً مألوفة إلى متاهاتٍ يصعب اختراقها، ومُقيّدةً حركة السكان في مناطق أصبحوا رهائن لإهمالٍ قاتل.

الأخطر من ذلك أن بعض العقارات انهارت جزئياً ثم تُركت دون إزالة كاملة، كما لو أن المسؤولية انتهت بمجرد الإعلان عن الحادثة وتسجيلها في السجلات. والركام المتبقي يُهدد بانهياراتٍ جديدة، ويُشكّل خطراً داهماً على ساكني المنازل المجاورة الذين ينامون كل ليلة وقلوبهم معلّقة بالسقف. ذلك الموت الذي يتربص بالمواطن في منزله لا يختلف في بشاعته عن أي جريمة أخرى، والمسؤول الذي يتجاهله شريكٌ في إثمها.

خامساً: حي غرب الإسكندرية.. صرخاتٌ تذهب أدراج الرياح

في حي غرب الإسكندرية، تتجمع كل هذه المشكلات كأنها اتفقت على موعدٍ في مكانٍ واحد، لتُشكّل معاً صورة كاملة لما وصل إليه الإهمال الإداري من مستويات لا تُحتمل. ورغم النداءات المتكررة التي يُطلقها المواطنون والناشطون والمهتمون، فإن الاستجابة تكاد تكون معدومة. مراسلات دون ردّ، وشكاوى تُقدَّم ولا تُعالَج، واجتماعات تُعقد ثم تذوب في فضاء الوعود الفارغة.

المواطن في حي غرب بات يشعر أنه يتحدث إلى جدارٍ لا يعي ولا يسمع. وهذا الشعور بالتجاهل هو أشد وطأةً على نفسه من المشكلة ذاتها أحياناً، لأنه يُفضي إلى اليأس من الدولة ومؤسساتها، وهو ما لا يجب أن يحدث في مجتمعٍ يسعى إلى النهوض.

ما الذي يجعل مواطناً يكرر صرخاته مئات المرات دون أن يجد من يسمعه؟ وما الذي يجعل موظفاً مسؤولاً يتجاهل شكوى تمسّ سلامة الإنسان وكرامته؟ هذا هو السؤال الحقيقي الذي يجب أن يواجهه أي محافظ جديد يتولى مقاليد الأمور: أين يكمن الخلل في منظومة الاستجابة؟ وكيف يمكن إعادة بناء الثقة مع المواطن الذي مَلّ من الانتظار وكاد يفقد الأمل؟

رسالة إلى المحافظ الجديد.. في القلب أملٌ لم يمت

أيها المحافظ الجديد.. تتسلم مهامك في مدينةٍ تستحق أكثر مما أُعطيت بكثير. الإسكندرية ليست مجرد مسمى جغرافي يُدار من وراء مكتب وبريد إلكتروني وتقارير رسمية، بل هي روحٌ حية ومزدحمة بالبشر والأحلام والأوجاع. المواطن الإسكندراني لا يطلب المستحيل؛ يطلب رصيفاً يمشي عليه بأمان، وشارعاً نظيفاً يتنفس فيه، ومسجداً لا تُحاصره روائح القمامة، ومدرسةً لا تُطل نوافذها على أكوام النفايات، وبناءً لا يخشى أن يسقط فوق رأسه وهو نائم.

ابدأ من حيث لم يبدأ سلفك. انزل إلى الشارع قبل أن تجلس خلف المكتب. اسمع الصرخات قبل أن تسمع التقارير المُزيَّنة. ضع قدمك في حي غرب وامشِ فيه بعيون مواطنٍ لا بعيون مسؤول. واعلم أن الإسكندرية مدينةٌ لا تغفر الإهمال ولا تنسى من أساء إليها، لكنها تحفظ في صدرها بامتنانٍ لا ينتهي اسم كل من أنصفها وأعطاها ما تستحق.

الفرصة أمامك الآن، واسعةٌ وثمينة. والتاريخ يُمسك قلمه ليكتب حكمه عليك منذ اليوم الأول.

خاتمة.. الإسكندرية تستحق

الكتابة عن جراح الإسكندرية ليست ترفاً صحفياً ولا بحثاً عن الشهرة أو الأضواء، بل هي واجبٌ وطني ومهني في آنٍ واحد. كل مشكلة تُشير إليها هذه السطور هي مشكلة حقيقية يعيشها مواطن حقيقي، ويتألم بسببها طفلٌ حقيقي، وتنزّ من جرحها دمٌ حقيقي. ولن يتوقف قلمنا عن الكتابة ولن تخفت صرختنا حتى تجد كل قضية صداها، وحتى تسترد الإسكندرية شيئاً من عزّها الغابر وبريقها الأصيل.

الإسكندرية تستحق أن تكون نظيفة.. تستحق أن تكون آمنة.. تستحق أن تكون عروساً حقيقية للبحر المتوسط لا مجرد عنوان في كتاب التاريخ أو صورة معلّقة على جدار. والمسؤولية الآن على عاتق الجميع: المحافظ الجديد، والمسؤولين في الأحياء، والمواطنين، والإعلام. كلٌّ في موقعه يستطيع أن يُحدث فارقاً، وتلك مسؤوليةٌ لا يجوز التنازل عنها أو التهاون فيها.

هذا قلمي لن يتوقف، وهذا الوطن يستحق.

 

ضيف تعليقك وقول رأيك
Share
كتب عبر
saidslem

موقع إخبارى متجدد شامل يهتم بالحدث والوصول الى حقيقة الأخبار المتلاحقة والموثقة بالمستندات الدامغة . ينشر الموقع الأخبار السياسية والأقتصادية والتعليمية والصحية والثقافية والمرإة والطفل والدين والدنيا والرياضة والحوادث مع الألتزام الكامل بميثاق الشرف الصحفى والضوابط المنظمة كاملة لعمل المواقع الألكترونية.

مصوغات إيهاب كرموز

Ehab-Gold

مواقيت الصلاة

الحقيبه الاقتصاديه أ/ سعيد

بوابة المحروسة علي فيس بوك

أسعار العملات اليوم

اقرأ يضآ في بوابة المحروسة

وسط استقبال جماهيري حافل بالولايات المتحدة.. لقطة عفوية تلمع في معسكر الفراعنة بين محمد صلاح وإحدى المشجعات

وسط استقبال جماهيري حافل بالولايات المتحدة.. لقطة عفوية تلمع في معسكر الفراعنة...

ترامب يعلن رغبته في لقاء المرشد الإيراني الجديد

ترامب يعلن رغبته في لقاء المرشد الإيراني الجديد ويؤكد: "طالبت نتنياهو بوقف...

لائحة اتهامات رسمية.. ودفاع “نخنوخ” يطالب بعدم استباق التحقيقات: “الحبس الاحتياطي ليس إدانة”

لائحة اتهامات رسمية.. ودفاع "نخنوخ" يطالب بعدم استباق التحقيقات: "الحبس الاحتياطي ليس...

كواليس تحقيقات النيابة في واقعة توقيف صبري نخنوخ بالتجمع الخامس

خلاف على 30 مليون جنيه و"محامي الصدفة".. كواليس تحقيقات النيابة في واقعة...