# تغير المناخ.. ليس نظريةً علمية بل كارثةٌ تطرق أبوابنا
## الأرض تحترق والعالم يتفاوض.. وضحايا الغد يُولدون اليوم
بقلم الكاتب الصحفي / سعيد سليم
*رئيس مجلس إدارة مجموعة كيانات بوابة المحروسة*
كان يمكن للبشرية قبل عقودٍ أن تُجادل في حقيقة تغير المناخ وتُشكّك في أدلته وتُؤجّل التعامل معه إلى مستقبلٍ غير محدد. أما اليوم فلم يعد الأمر موضع جدلٍ علمي حقيقي، والأرقام والوقائع التي تتراكم كل عامٍ تُحكم القضية وتُغلق باب التشكيك أمام كل من يملك عقلاً منفتحاً ورغبةً صادقة في رؤية الحقيقة. موجات الحر القاتلة التي تضرب مناطق لم تعرفها في تاريخها، والفيضانات المدمرة التي تجتاح مدناً كانت محمية، والجفاف الذي يُحوّل أراضٍ خصبة إلى صحاري، وذوبان الجليد القطبي الذي يُهدد بارتفاع منسوب البحار، كلها ليست نبوءاتٍ مستقبليةٍ بل وقائع يعيشها الإنسان اليوم في كل قارات الأرض.
المفارقة المؤلمة التي تجعل هذه الكارثة أكثر تعقيداً من أي كارثةٍ طبيعيةٍ سبقتها هي أن ضحاياها الأكثر تضرراً ليسوا من تسبّبوا فيها. الدول النامية التي أسهمت بأقل قدرٍ في الانبعاثات الكربونية التاريخية المسؤولة عن ظاهرة الاحترار، تدفع اليوم أعلى الأثمان من جفافٍ وفيضاناتٍ ومجاعاتٍ وتهجيرٍ قسري، بينما الدول الصناعية الكبرى التي راكمت ثرواتها على حساب مناخ الأرض لا تزال تُفاوض وتُؤجّل وتضع شروطاً في مؤتمراتٍ دوليةٍ تنتهي في الغالب ببياناتٍ أكثر مما تنتهي بالتزاماتٍ حقيقية قابلة للقياس.
## مصر والإسكندرية.. في مرمى خطر ارتفاع البحار
لا يمكن لمصري أن يقرأ عن تغير المناخ بعيونٍ باردة حين يعلم أن الإسكندرية المدينة التي يعشقها ملايين المصريين ويحملها أبناؤها في قلوبهم، مُدرجةٌ ضمن أكثر مدن العالم عُرضةً لخطر ارتفاع منسوب البحر المتوسط الناجم عن ذوبان الجليد القطبي. دراساتٌ علميةٌ متعددة تُحذّر من أن مناطق ساحليةً واسعة في الإسكندرية وعلى امتداد الدلتا المصرية مُعرَّضةٌ لخطر الغرق إذا واصل ارتفاع درجات الحرارة العالمية مساره الراهن دون تدخلٍ جذري ومتسارع.
الدلتا المصرية التي تُغذّي مصر بجزءٍ كبيرٍ من احتياجاتها الزراعية وتحتضن كثافاتٍ سكانيةٍ هائلة، تواجه تهديداً مزدوجاً من ارتفاع منسوب البحر من ناحية وتراجع منسوب النيل بفعل سد النهضة وتغير أنماط هطول الأمطار في أحواضه من ناحيةٍ أخرى. هذا التهديد المزدوج يُضع الأمن الغذائي والديموغرافي المصري أمام تحدياتٍ جسيمة تستوجب تخطيطاً استراتيجياً عميقاً وتدخلاً وقائياً جاداً لا انتظاراً حتى تقع الكارثة.
## مؤتمرات المناخ.. وعودٌ تُولد وتموت
منذ اتفاقية كيوتو عام 1997 وحتى مؤتمرات الأطراف المتعاقبة التي كان من أبرزها COP27 الذي استضافته مصر في شرم الشيخ عام 2022، والعالم يتفاوض على المناخ في مشهدٍ بات مألوفاً مؤلماً: تصريحاتٌ جريئةٌ في الافتتاح ووعودٌ طموحةٌ في التصريحات الجانبية وبياناتٌ ختاميةٌ مُحمَّلة بالمصطلحات التقنية ثم عودةٌ إلى الواقع الذي لا يتغير بالقدر الكافي.
التعهدات المناخية التي أعلنتها كثيرٌ من الدول تبدو شجاعةً حين تُقرأ في الوثائق الرسمية، لكنها حين تُقاس بالإجراءات الفعلية على أرض الواقع وبالوتيرة التي تجري بها، تكشف عن فجوةٍ واسعةٍ بين ما يُقال وما يُفعل.
## الحل الممكن.. إرادةٌ سياسية وتحولٌ اقتصادي
الحل لأزمة المناخ ليس مستحيلاً تقنياً. الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين النظيف وترشيد استهلاك الطاقة وإعادة التشجير وتطوير الزراعة المستدامة، كلها حلولٌ متاحة وتقنياتها موجودة وتكاليفها تتراجع بصورةٍ متسارعة. ما ينقص ليس التقنية بل الإرادة السياسية الحقيقية لتحدي مصالح صناعات الوقود الأحفوري الضخمة التي تُنفق ملياراتٍ في الضغط ضد سياسات المناخ الجادة.
مصر التي تمتلك من إشعاع الشمس ومن إمكانات الطاقة المتجددة ما يجعلها قادرةً على أن تُصبح لاعباً محورياً في منظومة الطاقة النظيفة الإقليمية، أمامها فرصةٌ تاريخية لتحويل التحدي المناخي إلى فرصةٍ تنمويةٍ استراتيجية.
## خاتمة.. الأرض ليست إرثاً من الآباء بل أمانةٌ للأبناء
الأرض التي نعيش عليها لم نرثها من أجدادنا بل استعرناها من أحفادنا. وما نفعله بها اليوم هو ما سيجد عليه أبناؤنا وأحفادنا أنفسهم غداً. هذه المسؤولية الأخلاقية تجاه الأجيال القادمة يجب أن تكون الدافع الأقوى للتحرك العاجل والجاد في مواجهة أزمة المناخ.
*والأرض لا تُفاوض ولا تنتظر.. وحين تنتهي صبرها لن ينفع ندمٌ ولا تفاوض.*
