
بوابة المحروسة الإسكندرية
وأُسدلت ستارة السماء القدسية عن نفحات الهجرة المباركة، هجرة حضرة الحبيب صلوات الله وسلامه عليه بروحه قبل جسده الشريف الطاهر، حتى تهطل علينا غيثًا طيبًا مُنجِّيًا، مُحيِيًا للقلوب، ورافعًا للرُّتب، ومنيرًا للبصائر. وتنثر علينا بخورًا عطرًا تنشرح له الصدور والأنفس.
صراحة يا أحبتي إني أستشعر بأن الهجرة تكمن في الروح، وما الجسد إلا أداة من أدوات الدنيا التي جعلها الله بيتًا مؤقتًا للروح العظمية الجليَّة. وها نحن قائمين شاهدين على النهج والمنهج النبوي الشريف، نسبح ونبحر ونغوص بأعماقه حتى تتساقط علينا الدُّرَر متلألئة كالنجوم حول بَدْرها.
إن الهجرة لا تقتصر على تغيير محل السكن أو حتى الوطن؛ إنما هي تحطيمًا لأي سجن تحاول أسواره الصَّدأة أن تلتف حول الروح النَّقيَّة التَّقيَّة، كي تجردها من طُهرها وشفافيتها فتحولها إلى ظُلمة معتمة تهوى بصاحبها إلى هاوية الفجور والنسيان. لذلك كل إنسان مطالب أن يسعى مجاهدًا لنفسه الأمارة بالسوء، وداعيًا رب العزة بأن يعينه على هجر كل ما هو مُؤذٍ وعَصِيّ ومُضِرٍّ بالروح، وإلا يكون قد حكم على نفسه بالإعدام البطيء.
أما من بات مُعَانِدًا مصيبًا نفسه بالتعنت والكبر والغرور يكون قد خَطَا أولى خطواته بطريق الكفر، كما أتى بمقولة (العِند يُورث الكُفر)، فالكفر هو حجب النعمة والجحود بها، فيصبح حينها ذلك المهزوم قبل بدء معركته الخاسرة مواجهًا للذات العليَّة محاربًا لفضل الله عز وجل عليه. وجدير بالذكر أن الهزيمة تشمل أيضًا من يعادون أحباء الرحمن، فكما جاء بالحديث القدسي الشريف “مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ”. لذلك لزم علينا أن نشكر الله على نعمه في السراء والضراء، أيًّا كانت هويتها فكل خَلْق الله سبحانه وتعالى وبصماته القدسية نِعَم متباينة وتاجها الشكر والرضا.
إن حضرة سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام قد هَلَّ وحَلَّ على البشرية شمسًا للدين وبدرًا للهداية إنه سلوان القلوب ذو الثغر الباسم، فقد شَقَّ لنا بِهجرته الجليلة المهيبة طريقًا في أعتى جبال وصخور الفِكر الصَّلدة، ثم مَهَّدَه وعَبَّدَه بأنامله الشريفة العفيفة ونبضات قلبه المُتَوَّج بِحُبِّ الله جَلَّ وعَلا؛ حتى يسهل علينا التَّفَكُّر دون عناء، والتَّأَمُّل بخلق الله دون شقاء، والتَّحلِّي بصفات السماء.
يا حبيب الله يا سفينتنا، يا حبيب الله يا قدوتنا، يا حبيب الله يا فرحتنا، نبضت القلوب سلامًا أرسلته على أجنحة ملائكة الأرض والسماء، وارتقت الأرواح شوقًا وطوفًا حول أفلاك الحب، فيا من أحبَّك الله قد أَحَبَّنا الله بِحُبِّه وحُبَّنَا لك.
أدام الله علينا النِّعم وبركات الأيام والسنين، وأدام علينا نظرته لنا كي نحيا في كل حين، وأدام علينا ذكرنا لِعِزَّتِه وجلاله كي نحيا آمنين، وأدام علينا قُربنا كي نحيا لعتباته مُتَحسِّسِين، وأدام علينا رضاه عَنَّا كي نحيا خالدين.
