
بقلم/ سعيد سليم
رئيس مجلس الإدارة
في عالم متسارع تموج فيه الأفكار وتتزاحم فيه الأصوات، تظل هناك ثوابت أخلاقية ومعرفية تشكل دساتير الإنسانية وقوانين البقاء الفكري. إن أولى هذه الثوابت وأقدسها هي “قيمة الاحترام والاعتراف بالفضل”؛
فالحقيقة التي يجب أن يدركها كل ذي عقل هي أنه إن لم تحترم من سبقوك، لن تجد لك مكاناً راسخاً على الأرض.
كل من سبقنا في مضمار العلم، أو الأدب، أو الصحافة، أو الفكر هو “أستاذ” لنا بحكم الأقدمية والخبرة والتمهيد. وحتى لو دارت عجلة الزمن، وتفوق التلميذ على أستاذه بأدوات العصر والآليات الحديثة، فإن هذا التفوق لا يمكن – ولا يجوز شرعاً أو خُلقاً – أن يتحول إلى ذريعة للتطاول أو التعالي على الأساتذة؛ فالتطاول على الجذور يقطع المداد عن الفروع، ومن ينكر فضل من علموه يحكم على نتاجه بالزوال.
الكلمة الحية.. خلود يمتد بعد رحيل الجسد
إن قيمة الكاتب أو المفكر لا تُقاس بالأعوام التي يعيشها جسداً، بل بالأثر الذي يتركه عملاً؛ فطالما أن الكلمات يتم طهيها بنار الفكر الصافي، والمعاني يتم ترطيبها بصدق المشاعر، والجمل يتم صياغتها برصانة الأدب، والمقالات يتم نسج طرقها بمهنية ووعي، فإن صاحبها يظل حياً بيننا.
المبدع الحقيقي باقٍ بأعماله المتميزة التي يتم مشاهدتها وقراءتها وتدبر ألفاظها دوماً عبر الأجيال، فالجسد قد يرحل ويغيبه الموت، ولكن الفكرة المخلصة لا تموت، وتظل روح صاحبها ترفرف في فضاءات التنوير، تلهم السائرين على دربه وتوجه الحائرين.
بين ديمومة الفكر وصمم “الفرقعات” الإعلامية
وهنا يبرز الفارق الجوهري والحد الفاصل بين نمطين من النتاج الإنساني في عصرنا الحالي:
الأول: كلمات تستمر وتعيش: وهي تلك الكلمات التي كُتبت بوعي، وصيغت بمسؤولية، وخرجت من أرشيف المعاناة والبحث عن الحقيقة. هذه الكلمات تنبت في العقول وتثمر في الوجدان، وتصبح مرجعاً يزداد قيمة بمرور الزمن.
الثاني: كلمات تفرقع وتزول: وهي تلك العبارات السطحية أو المظاهر الإبداعية المشوهة التي تبحث عن الإثارة اللحظية وسرعة الانتشار واللقطة العابرة. إنها كلمات “تفرقع” في الفضاء الإلكتروني أو الإعلامي، محْدِثة ضجيجاً مؤقتاً، لكنها في الحقيقة لا تصنع وعياً بل تصيب كل من سمعها بالصمم الفكري والبلادة التذوقية.
مذكرة الوعي من “بوابة المحروسة”:
إننا في مجموعة كيانات “بوابة المحروسة”، ومن واقع مسؤوليتنا الكلمة وشرف الكلمة، نؤكد أن الانحياز التحريري والفني لدينا سيبقى دائماً إلى جانب الكلمة الباقية والأثر المستدام. إن احترام الأستاذية والتمسك بأصول الصياغة الإنسانية والمهنية لرسالتنا، هو الحصن المنيع الذي يحمي مجتمعنا من التحلل السلوكي أو الهبوط الإبداعي. دعونا نكتب الكلمات التي تعيش، ونترك “الفرقعات” لمن لا أثر لهم.
