
✍️ هذا المقال من الأهمية قراءته للنهاية رغم مساحته الطويلة ، اذا كنا نعتبر أن أمن الخليج هو بوابة الأمن العربي ، وتهديده هو تهديد للمنطقة كلها .
👇
{ هل يُعاد تشكيل الشرق الأوسط على حساب الخليج؟ }
👇
في خضم التصعيد المتسارع بين إيران وإسرائيل، والتصريحات المتبادلة بين واشنطن وطهران، يبرز سؤال مشروع يثير القلق لدى كثير من المراقبين: هل نحن أمام مواجهة حقيقية بين الخصوم، أم أمام ترتيبات إقليمية جديدة قد تكون دول الخليج أكبر المتضررين منها؟
قد يبدو هذا السؤال للبعض مبالغًا فيه، لكن قراءة المشهد من زاوية المصالح الاستراتيجية تدفع إلى التوقف أمام عدد من المؤشرات المثيرة للتساؤل. فالتناقض الظاهر بين لغة التصعيد ولغة التهدئة، وبين التهديدات المتبادلة والرسائل غير المباشرة، يفتح الباب أمام احتمالات عديدة، من بينها سيناريو يقوم على استنزاف المنطقة وإعادة توزيع النفوذ فيها.
وإلا بماذا تفسر هذا السيناريو ، أو تلك المسرحية :
معركة حربية بين إيران وإسرائيل ( تظهر فيها إيران بأنها تحافظ على مبادئها أمام حلفائها ) ، تدخل أمريكا على خط المعركة وتستخدم قواعدها في الخليج لضرب إيران ، تقوم إيران بقصف القواعد العسكرية الإمريكية المنتشرة بدول الخليج ، وترسل تهديد للكويت والبحرين وقطر والإمارات والسعودية وتنفذ تهديدها ، أمريكا تتراجع وتفتح المجال لإيران لكي تغلق مضيق هرمز .
أيران تحاصر المضيق ، وأمريكا تحاصر إيران ، المعركة تتوقف ( هدنة ) والخليج معزول والمضيق مغلق ، لتظهر الحقيقة أن لا أمريكا ولا إيران محاصرين ، الحصار في الحقيقة لدول الخليج . هذا هو المشهد وترتيباته التي شاهدناها في الأسابيع الماضية .
ليبدأ المشهد الأخير ، في ضوء هذا السيناريو ، من فصل المؤامرة ، الذي يحمل عنوان : هل رفعت أمريكا يدها عن دول الخليج ؟ قبل أن يسدل الستار :
توقيع إتفاق تاريخي يضمن لإيران القوة والنفوذ والوكلاء في لبنان واليمن والعراق والأرض المحتلة ، ويضمن لإسرائيل الإستمرار في إشعال المعارك بحجة الدفاع عن وجودها وحدودها ، فتتوسع في لبنان وسوريا ، وتبقى إيران داعمة لحلفائها ، حتى يكتمل المخطط الصهيوني في السيطرة على قطاع غزة وإحتلال جنوب لبنان والتوغل شمال جنوب سوريا ، ويبقى الخليج العربي في حالة توتر دائم ، بسبب هيمنة إيران على مضيق هرمز . وتتحول إيران إلى دولة قوية إقليميًا بلا قيود ولا عقوبات ، وتنتهي المسرحية القائمة على تقاسم النفوذ بين أمريكا وإسرائيل من جهة الغرب ، وإيران من جهة الشرق ، وتضطر دول الخليج لشراء الأسلحة من شركات أمريكية تحسبًا لزيادة نفوذ إيران وعدم جدوى القواعد العسكرية ، وفي المقابل الأخر تكون القضية الفلسطينية سقطت من خريطة الشرق الأوسط الجديد .
إن قراءة واقع الصراع الإيراني الأمريكي الخليجي الإسرائيلي ، يدفعنا لطرح سؤال أكثر حساسية :
ماذا لو قررت واشنطن تجنب الانخراط الكامل في الحرب؟ وماذا لو اكتفت بإدارة الأزمة بدل حسمها؟ عندها قد تجد دول الخليج نفسها في مواجهة تداعيات أمنية واقتصادية هائلة، بينما تتراجع الأولويات الأمريكية لصالح حسابات أخرى تتعلق بإدارة التوازنات الدولية والإقليمية.
وهنا يبرز مضيق هرمز باعتباره الشريان الحيوي للاقتصاد الخليجي. فإذا تعرض الملاحة فيه للتهديد أو الإغلاق الجزئي، فإن المتضرر الأول سيكون اقتصادات الخليج المعتمدة على تدفق الطاقة والتجارة العالمية. وعندها قد يتحول الصراع من مواجهة عسكرية إلى وسيلة ضغط استراتيجية طويلة المدى تستنزف القدرات الاقتصادية والتنموية لدول الخليج .
النتيجة الأخطر في ضوء هذا السيناريو، أن يخرج الجميع بمكاسب نسبية باستثناء الخليج. إيران قد تحصل على اعتراف أوسع بنفوذها الإقليمي، وإسرائيل قد تستثمر حالة الفوضى لتوسيع هامش حركتها الأمنية والعسكرية، بينما تواصل الولايات المتحدة جني المكاسب السياسية والاقتصادية من خلال صفقات التسليح وإدارة التوازنات، وفي المقابل، تبقى دول الخليج أسيرة حالة من التوتر الدائم، مجبرة على زيادة الإنفاق الدفاعي، ومواجهة تحديات أمنية واقتصادية متزايدة، وسط بيئة إقليمية غير مستقرة.
سواء اتفقنا أو اختلفنا مع هذا السيناريو، فإن الدرس الأهم يبقى واضحًا: أمن الخليج لا يمكن أن يُبنى بالكامل على الضمانات الخارجية. فالتاريخ أثبت أن الدول الكبرى تتحرك وفق مصالحها أولًا، وأن التحالفات تتغير بتغير الظروف.
من هنا تبرز أهمية تعزيز التكامل الخليجي، وتوحيد الرؤى الاستراتيجية بين دول مجلس التعاون، وتوسيع دوائر الشراكة العربية مع القوى المحورية في المنطقة، وفي مقدمتها مصر بما تمثله من ثقل سكاني وعسكري وسياسي وحضاري. فكلما ازداد التنسيق العربي، تراجعت قدرة القوى الخارجية على فرض ترتيبات لا تراعي المصالح العربية.
