بعيداً عن نظرية المؤامرة.. لماذا خسرت مصر أمام الأرجنتين؟ حقيقة الجدل التحكيمي وحرية رأي حسام حسن في المونديال
بقلم الكاتب الصحفي: سعيد سليم
رئيس مجلس إدارة مجموعة كيانات بوابة المحروسة
ما إن أطلق حكم مباراة مصر والأرجنتين صافرة النهاية معلناً خروج الفراعنة من دور الـ 16 لكأس العالم 2026، حتى اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بالتحليلات والتفسيرات. وبين مشاعر الحزن والغضب من التراجع الدراماتيكي، برزت كالعادة أصوات تلجأ إلى “نظرية المؤامرة” لتبرير الخسارة، وربطها بأبعاد سياسية بعيدة تماماً عن المستطيل الأخضر. لكن القراءة الصحفية الواعية تقتضي منا أن نضع النقاط فوق الحروف، وأن نزن الأمور بميزان العقل والواقعية الكروية والسياسية.
منطق البيزنس الرياضي.. هل جامل التحكيم الأرجنتين لأجل ميسي؟
إذا أردنا الحديث عن لغة المصالح في عالم كرة القدم، فيمكننا تفهم الطرح الذي يقول إن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) أو الشركات الراعية من مصلحتها التسويقية والجماهيرية استمرار أسطورة مثل ليونيل ميسي في البطولة لأطول فترة ممكنة؛ فقيمة البطولة الاستثمارية ونسب المشاهدة تتضاعف بوجود الأرجنتين وحامل اللقب. هنا، يمكن أن نضع الجدل التحكيمي وإلغاء هدف نجم منتخبنا مصطفى زيكو في سياق “أخطاء بشرية متأثرة بضغط النجومية”، وهي أمور تحدث في كرة القدم، وإن كانت ظالمة وقاسية على الفراعنة الذين قدموا مباراة عمرهم.
تصريحات حسام حسن وفلسطين.. لماذا تسقط نظرية الانتقام السياسي؟
لكن الخطأ الأكبر والنظرة الضيقة تكمن في ذهاب البعض إلى أن خروج مصر كان عقاباً متعمداً من “أيدٍ خفية” بسبب تصريحات المدير الفني للمنتخب الكابتن حسام حسن الداعمة للقضية الفلسطينية؛ فهذا الطرح يفتقر إلى المنطق والواقعية لعدة أسباب جوهرية:
-
واقعية النفوذ المزعوم: لو كانت القوى الداعمة لإسرائيل تملك هذا النفوذ المطلق والمتحكم في دهاليز الفيفا، لكان الأولى بها أن تمنح إسرائيل بطاقة التأهل والمشاركة في نهائيات كأس العالم، وهو ما لم يحدث لأن ملاعب المونديال تخضع للتصفيات والأرقام.
-
حرية الرأي والتعبير مكفولة: لا تملك الفيفا ولا أي جهة سلطة منع الرياضيين من التعبير عن آرائهم الإنسانية؛ فالكابتن حسام حسن تحدث عن معاناة إنسانية يشهدها العالم أجمع، ولم توقع الفيفا عليه أي عقوبة لأن التضامن الإنساني حق مشروع.
-
النماذج العالمية الحاضرة: المدرب العالمي بيب جوارديولا تحدث مراراً وتكراراً، وبشكل أكثر حدة، عن معاناة الفلسطينيين وهو يعمل في أقوى دوري في العالم (الدوري الإنجليزي)، ولم يستطع أحد المساس بمسيرته أو معاقبة فريقه مانشستر سيتي.
سيناريو المباراة يدحض المؤامرة.. الدقيقة 90 لا تكذب
من الناحية التكتيكية الصرفة، لو كان هناك قرار مسبق أو “مؤامرة مطبوخة” للإطاحة بالمنتخب المصري تعمداً لإنهاء مشواره، لما انتظر خبثاء المؤامرات حتى الدقيقة 90 من عمر اللقاء لإنقاذ الأرجنتين بعد أن تقدمت مصر بهدفين نظيفين؛ إذ كان بإمكان التحكيم “التلكؤ” لحسام حسن وطرد أحد اللاعبين أو احتساب ركلات جزاء وهمية منذ الشوط الأول لإنهاء المباراة مبكراً ودون عناء.
مكانة مصر أكبر من البكاء على اللبن المسكوب
إن محاولة ربط الخسارة بالمؤامرات الخارجية تصغر من حجمنا؛ فنحن دولة كبيرة وثقيلة جداً، ولنا وزننا السياسي والرياضي والريادي في المنطقة والعالم. الأقوى والأنضج صحفياً هو الاعتراف بأن منتخبنا قدم مباراة بطولية أبهرت العالم، لكن التراجع البدني في الدقائق الأخيرة، مع بعض الأخطاء التكتيكية والتحكيمية، هي التي حسمت اللقاء لصالح خبرة لاعبي الأرجنتين.
في إطار مشروع “بوابة المحروسة 2030″، ندعو دائماً إلى الارتقاء بالوعي الجماهيري؛ الخروج من المونديال كان بشرف وبأقدام مرفوعة الرأس، وعلينا البناء على هذا الجيل الواعد والتعلم من أخطاء الأنفاس الأخيرة، بدلاً من الغرق في أوهام المؤامرات التي لا تليق بكبرياء الكرة المصرية.
عاشت مصر قوية، واعية، ورائدة في كل المحافل.
