
(رئيس مجلس إدارة مجموعة كيانات بوابة المحروسة – ضمن مشروع بوابة المحروسة 2030)
شهدت الفترة التي تلت توقيع اتفاقية السلام “كامب ديفيد” تحولات سياسية عاصفة في المنطقة العربية. فبينما كانت مصر تحتفل باستكمال أركان نصر أكتوبر المجيد واستعادة أرضها كاملة عبر المسار السياسي والدبلوماسي، كانت هناك أطراف إقليمية وفصائل فلسطينية وسورية تشن حرباً دعائية وسياسية شرسة ضد القاهرة وضد الرئيس الراحل محمد أنور السادات. في غمرة هذه الأجواء المشحونة، تفجرت أزمة دبلوماسية خطيرة كادت أن تعصف بالاستقرار الإقليمي، وتمثلت في حادثة اختطاف السفير المصري في اليونان.
أولاً: السادات والرد الحاسم.. “هاتوا لي قياداتهم فوراً”
بمجرد وصول نبأ اختطاف السفير المصري في العاصمة اليونانية أثينا إلى غرف صناعة القرار في القاهرة، لم يتوانَ الرئيس السادات في اتخاذ الإجراءات الأكثر حزماً. فدولة بحجم مصر لا يمكن أن تقبل بابتزاز دبلوماسييها أو المساس بسلامة مواطنيها في الخارج.
اجتمع السادات على الفور بكبار رجال الدولة ومسؤولي الأجهزة السيادية، مسترجعاً في ذهنه العمليات الغادرة السابقة التي طالت رموزاً مصرية مثل اغتيال الأديب والوزير يوسف السباعي في قبرص. وصدر القرار الفوري:
الاستدعاء العاجل: جمع كافة القيادات الفلسطينية المتواجدة في القاهرة خلال ساعة واحدة فقط.
المهلة الصارمة: في اجتماع مقتضب لم يتجاوز بضع دقائق، وجه السادات كلامه للقيادات المجتمعة بلهجة حاسمة: “أمامكم 3 ساعات ليعود السفير المصري سالماً، وإلا فأنتم من سيتحمل مسؤولية رد الفعل”.
الانسحاب المهيب: غادر السادات قاعة الاجتماع تاركاً وراءه صدمة بالغة خيمت على الحضور.
ثانياً: كواليس الرعب الفصائلي.. “السادات حنش وسمه قاتل”
عقب خروج الرئيس السادات، بدأت ملامح القلق والاضطراب تظهر بوضوح على وجوه القيادات الحاضرة. وفي محاولة لتقييم الموقف، استهان بعضهم بالتهديد معتبرينه مجرد ضغط سياسي، إلا أن أحد القيادات العتيقة وجه لهم تحذيراً شديد اللهجة قائلاً:
”إنكم لا تعرفون السادات.. السادات مثل ‘الحنش’، يسكت طويلاً، لكن حينما يقرر اللدغ فإن سمه قاتل لا علاج له.”
هذا التحذير الواقعي دفع القيادات إلى إجراء اتصالات طارئة وعاجلة برئيس منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك، ياسر عرفات، لإبلاغه بخطورة الإنذار المصري الذي حدد مهلة الساعات الثلاث.
ثالثاً: وساطة عرفات وكلمة السر “حافظ الأسد”
في محاولة لتبرئة ساحة الفصائل الفلسطينية وتجنب غضبة القاهرة، رد ياسر عرفات سريعاً على القيادات طالباً منهم إبلاغ السادات فوراً بأن منظمة التحرير لا علاقة لها بالحادث، وأن خيوط المؤامرة وعملية الاختطاف جرت بتوجيهات مباشرة من النظام السوري بقيادة حافظ الأسد.
وعندما نقلت القيادات هذه الرسالة للرئيس السادات، جاء رده سريعاً ومباشراً: “أريد ياسر عرفات على الهاتف فوراً”. وخلال الاتصال الهاتفي، تحدث السادات بنبرة حازمة ومباشرة دون مقدمات:
رسالة التحذير لدمشق: “اسمع يا عرفات، بلغ السوريين وحافظ الأسد شخصياً، أنني سأضرب دمشق عسكرياً إذا لم يعد السفير المصري سالماً بعد 3 ساعات. وما تفعلونه هو لعب عيال كنا نمارسه ونحن في العشرين من عمرنا، ولن يؤثر في هيبة مصر”.
تمديد المهلة: طلب ياسر عرفات مهلة إضافية لتدارك الموقف والتواصل مع الجانب السوري قائلاً: “أرجوك يا ريس، اجعلها 6 ساعات حتى أتمكن من إقناع السوريين والتفاهم معهم”، وهو ما وافق عليه السادات في النهاية.
رابعاً: الاستجابة السورية وتذكر “درس تأديب القذافي”
لم تكن رسالة السادات مجرد مناورة سياسية، فالرئيس السوري حافظ الأسد كان يدرك تماماً أن القيادة المصرية لا تتردد في استخدام القوة العسكرية لحماية أمنها القومي وهيبتها الخارجية.
وكانت الذاكرة السياسية القريبة تحمل تفاصيل “حرب الأيام الأربعة” في عام 1977، والمعروفة بعملية تأديب القذافي، حينما حاول النظام الليبي التطاول على الحدود المصرية، فجاء الرد العسكري المصري حاسماً ورادعاً. وبفضل هذا الإدراك، وتحت وطأة التهديد الجدي بضرب دمشق، تراجعت الأطراف الخاطفة فوراً، وقبل أن تنتهي مهلة الساعات الست، أُطلق سراح السفير المصري وعاد إلى ممارسة مهامه سالماً.
إن هذه الواقعة التاريخية تظل شاهداً حياً على أن السلام الذي حققته مصر لم يكن ضعفاً، بل كان سلاماً محمياً بالقوة والردع وهيبة الدولة، وهي المبادئ الاستراتيجية التي نسعى لترسيخها وتوثيقها ضمن رؤية بوابة المحروسة 2030. رحم الله بطل الحرب والسلام الرئيس محمد أنور السادات.




