المحروسة بوابة المحروسة
مقالات الرأى

الطفل الذي بداخلنا ينادي: كيف ترسم جراح الطفولة ملامح خلافاتنا في عالم الكبار؟

Share
Share

الطفل الذي بداخلنا ينادي: كيف ترسم جراح الطفولة ملامح خلافاتنا في عالم الكبار؟

بقلم الكاتبة الصحفية: منال المغربي

(فريق عمل بوابة المحروسة بالإسكندرية 

بإشراف الكاتب الصحفي سعيد سليم

رئيس مجلس الإدارة 

ضمن مشروع بوابة المحروسة 2030)

أحياناً، ومع تسارع قطار الأيام وتراكم سنوات العمر، نتوهم أننا كبرنا تماماً، وأننا قطعنا كل صلاتنا بتلك الطفولة البعيدة. لكن الحقيقة والواقع النفسي يؤكدان غير ذلك؛ فالطفولة لا ترحل أبداً، بل تنسحب بهدوء لتختبئ في أعمق دهاليز نفوسنا المزدحمة بضغوط الحياة اليومية ومشاكلها.

وبمجرد حدوث موقف بسيط، نجد أنفسنا نعود بالذاكرة فجأة دون وعي، فنستحضر روح ذلك الطفل، بل وربما نشم رائحة وجبة شهية من يد الأم، أو نتذكر فرحة فاكهة بسيطة يعود بها الأب من عمله، أو تلوح أمامنا ملامح صديق دراسة قديم. هذا الحنين ليس مجرد عاطفة عابرة، بل هو صوت “الطفل الداخلي” الذي يسكن أعماقنا ويوجه خطواتنا.

أولاً: البيئة الأسرية وحجر الأساس لبناء الشخصية السوية

تثبت الدراسات المتخصصة في علم النفس الإنساني أن السنوات الأولى من عمر الإنسان ليست مجرد مرحلة زمنية تمر وتنتهي، بل هي الأساس المتين الذي تُبنى عليه الشخصية بأكملها.

البيئة الصحية المتوازنة: الطفل الذي يتربى في بيئة صحية، سوية، تملؤها مشاعر الحب والتشجيع، يكبر ليصبح إنساناً واثقاً من خطوته، ناجحاً في عمله، ومبدعاً في ملاحقة أحلامه.

سنوات التكوين الأولى: في هذه السنوات تحديداً، يتعلم الطفل المعاني الحقيقية للحب، الأمان، الثقة، أو الخوف والخذلان. ومن خلال هذه المشاعر، يبني رؤيته الكلية عن العالم؛ فإما أن يراه مكاناً جميلاً يستحق العيش بحرية وسلام، أو يراه ساحة حرب مستمرة تتطلب الدفاع الدائم عن النفس.

ثانياً: شروخ الطفولة القاسية.. عندما يغيب الأمان ويحضر الخوف

في المقابل، تترك البيئات الجافة والباردة ندوباً غائرة في نفوس الصغار، لا يمحوها التقدم في السن بل تترجمها تصرفات البالغين لاحقاً:

شح المشاعر والقسوة: الطفل الذي يُحرم من الحب والاحتواء وينشأ في جو يسوده الجفاف العاطفي، يتحول غالباً لشخص يبدو قاسياً في ظاهره، لكنه في الحقيقة يبحث بلهفة عن الأمان المفقود الذي حُرم منه صغيراً.

التقليل والنقد المستمر: عندما يعتاد الطفل سماع كلمات السخرية والتقليل من شأنه وأفعاله، يكبر بشخصية مهزوزة الثقة، عاجزة عن اتخاذ القرارات أو تحقيق الأحلام.

الخوف كجزء من التكوين: من يتربى على التخويف والترهيب، ينضج وهو مضطرب أمام أبسط القرارات الحياتية؛ ليس لأن الواقع مخيف بالفعل، بل لأن الخوف تغلغل وأصبح جزءاً من تكوينه النفسي المخزن في الذاكرة الانفعالية.

ثالثاً: وقت الخلافات.. الطفل المحبوس يخرج للعلن

إن أكثر الظواهر النفسية غرابة تظهر بوضوح عند نشوب الخلافات والنزاعات بين البشر، سواء كانوا أصدقاء، أو أزواجاً، أو زملاء في العمل. في لحظة الصدام، تسقط الأقنعة وتظهر ملامح “الطفل الداخلي” الساكن وراء أجساد الكبار:

الخوف من الفقد والابتعاد: نرى من ينهار لمجرد خلاف بسيط خوفاً من الهجر والفقد، أو من ينسحب سريعاً ويبتعد لأنه تعلم في صغره أن الاقتراب من الآخرين لا يجلب سوى المعاناة والألم.

البحث عن الحنان المتأخر: يظهر على وجوه البالغين وقت الخلاف انكسار طفل يبحث عن الحنان والاهتمام في عيون من حوله، عاجزاً عن التعبير عن مشاعره بحرية وثقة.

الانهيار أمام النقد: إن هؤلاء الذين ينهارون تماماً أمام أي كلمة نقد موجهة إليهم، يفعلون ذلك لأن تلك الكلمة أيقظت جروحاً قديمة متخزنة في العقل الباطن، كانوا يظنون أنهم نسوها مع مرور السنين.

رابعاً: كيف نرحم هذا الطفل المسكين داخلنا؟

إن الوعي بوجود هذا الطفل الصغير الذي تألم ولم يجد من يسمعه في الماضي هو الخطوة الأولى نحو التعافي والسلام الداخلي.

يؤكد علم النفس أن الإنسان لا ينسى طفولته أبداً بل يخزنها في ذاكرته الانفعالية التي تؤثر على طريقة تفكيره وتعاملاته مع الآخرين. لذلك، من الواجب علينا اليوم كبالغين أن نقف وقفة صدق مع أنفسنا، ونمنح هذا الطفل الداخلي المحبوس الحب والرحمة والأمان الذي افتقده قديماً، لنحميه من الوجع المستمر ونعبر به وبأنفسنا إلى بر الأمان والاستقرار النفسي.

ضيف تعليقك وقول رأيك
Share
كتب عبر
saidslem

موقع إخبارى متجدد شامل يهتم بالحدث والوصول الى حقيقة الأخبار المتلاحقة والموثقة بالمستندات الدامغة . ينشر الموقع الأخبار السياسية والأقتصادية والتعليمية والصحية والثقافية والمرإة والطفل والدين والدنيا والرياضة والحوادث مع الألتزام الكامل بميثاق الشرف الصحفى والضوابط المنظمة كاملة لعمل المواقع الألكترونية.

مصوغات إيهاب كرموز

Ehab-Gold

مواقيت الصلاة

لقاءات الكاتب الصحفي سعيد سليم ✅

بوابة المحروسة علي فيس بوك

أسعار العملات اليوم

اقرأ يضآ في بوابة المحروسة

صباح_مــصــري

بقلم : د سميرالمصري فريق عمل بوابة المحروسة بالاسكندرية .. رئيس مجلس...

الأوكتاجون وفلسفة إدارة القوة في مصر: قراءة استراتيجية في رؤية الدكتور حسام بدراوي

الأوكتاجون وفلسفة إدارة القوة في مصر: قراءة استراتيجية في رؤية الدكتور حسام...

الورد البلدي والحشائش الطفيلية.. حينما يتحول الإعلام إلى “سوق” والدخلاء إلى “فقاعات صابون”!

​بقلم الكاتب الصحفي: سعيد سليم ​رئيس مجلس إدارة مجموعة كيانات بوابة المحروسة...

خطر “التوك توك الرقمي”.. كيف يهدد سوء استخدام الذكاء الاصطناعي العقل البشري ويقنن فساد المحليات؟

خطر "التوك توك الرقمي".. كيف يهدد سوء استخدام الذكاء الاصطناعي العقل البشري...