
(رئيس مجلس إدارة مجموعة كيانات بوابة المحروسة – ضمن مشروع بوابة المحروسة 2030)
في تاريخ الإدارة المصرية، تظل هناك أسماء محفورة بمداد من نور في قلوب وعقول الجماهير؛ لأنها لم تكتفِ بالجلوس خلف المكاتب الفارهة، بل نزلت إلى الشارع لتراقب وتعدل الميزان المائل. وحينما نتحدث عن الانضباط الأمني المطلق والانحياز التام للمواطن البسيط، فلا بد أن يقترن الحديث باسم “قاهر الفساد”، اللواء أحمد رشدي، وزير الداخلية الأسبق. تلك الشخصية الفريدة التي أحبها الشعب واحترمها، وظلت مواقفها درساً بليغاً في كيفية ترسيخ هيبة الدولة عبر احترام كرامة الإنسان.
أولاً: الخطة الذكية.. عجوز بائس على أعتاب قسم الأزبكية
لم يكن اللواء أحمد رشدي يؤمن بالتقارير المكتبية المكتوبة بآلات كاتبة صامتة؛ بل كان يفضل معايشة الواقع بنفسه لتقييم أداء ضباطه ومدى التزامهم بخدمة المواطنين. وفي واحدة من أشهر جولاته التفتيشية السرية التي تحولت إلى أسطورة تتناقلها الأجيال، قرر الوزير خوض تجربة تنكرية بالغة الصعوبة:
التقمص المتقن للشخصية: تنكر الوزير في هيئة رجل عجوز بلغ من العمر أرذله، يتكأ على عصاه، يرتدي ثياباً رثة ومتسخة، وتظهر عليه علامات الإعياء الشديد، مع وضع ضمادة طبية تخفي جرحاً زائفاً أعلى جبهته اليمنى.
الهدف من الزيارة التفتيشية: التوجه إلى قسم شرطة الأزبكية العريق في ساعة متأخرة من الليل، لطلب تحرير محضر اعتداء، واختبار مدى سرعة استجابة الضباط ومعاملتهم لشكاوى البسطاء.
ثانياً: الصدمة داخل القسم.. “أترزع هناك لحد ما نشوفلك صرفة”
عندما وطئت قدما “العجوز المتنكر” ديوان قسم الأزبكية، صدمه المشهد الذي لم يكن يتمناه؛ حيث وجد مجموعة من ضباط القسم يجلسون في حلقات سمر يضحكون ويتسامرون، غافلين عن واجبهم الأساسي في خدمة الأمن.
وعندما نادى عليهم العجوز بصوت يملؤه الضعف، جاء الرد سريعاً من أحد الضباط بلهجة استعلائية خالية من أي وازع مهني: “مالك عاوز إيه على آخر الليل؟”.
أجاب العجوز بضعف: “أريد أن أحرر محضراً فيمن قام بضربي”، ليرد الضابط الآخر باستهزاء وقسوة: “أترزع هناك لحد ما نشوفلك صرفة”.
ثالثاً: في مكتب المأمور.. سقوط القناع وتسمر الأقدام
لم يستجب العجوز لأوامر الضابط بالانتظار المهين، بل توجه مباشرة وصعد إلى الطابق العلوي قارعاً باب مكتب مأمور القسم، ودخل شاكياً: “أريد أن أحرر محضراً والسادة الضباط لا يستجيبون لي”.
لكن المأمور، بدلاً من تدارك الأمر وإظهار روح المسؤولية، ثار في وجه العجوز وانهال عليه سباً وقذفاً قائلاً بغلظة: “إيه اللي جابك هنا يا حيوان؟ انزل اترزع تحت”.
في تلك اللحظة التاريخية، صمت كل شيء؛ ألقى العجوز عصاه على الأرض بقوة، وأزال الضمادة الطبية والكمامة التي كانت تغطي جرحه الزائف، ليرتفع رأسه وينظر بثبات في عيني المأمور.
لحظة الذهول المروعة: تجمدت الدماء في عروق المأمور، وتسمرت قدماه في الأرض، بعدما تبيّن له وجه وزير الداخلية بشخصه وهيبته الطاغية.
الأمر الصارم: توجه الوزير مباشرة وجلس على مكتب المأمور، وأصدر أمره الحاسم بنبرة هزت أركان المبنى: “اجمع لي كل البهوات بتوع القسم.. وأنت على رأسهم”.
رابعاً: سيرة نقية لرجل كرهته يد الفساد وأحبه البسطاء
لم تكن هذه الواقعة استعراضية، بل كانت جزءاً من عقيدة اللواء أحمد رشدي الأمنية التي تقوم على مبدأ “الجميع سواسية أمام القانون”. وبناءً على ما رصده بنفسه، أصدر الوزير قرارات تأديبية وجزاءات قاسية طالت جميع ضباط قسم الأزبكية ومأمورهم نتيجة التقصير وسوء معاملة الجمهور.
تلك السيرة العطرة للوزير الراحل تميزت أيضاً بالنزاهة والترفع المطلق عن المحسوبية؛ فهو نفس الرجل الذي عاقب نجله (الذي كان ضابطاً بالشرطة) عندما تجرأ وطلب منه مكافأة استثنائية له ولزملائه، مؤكداً له أن العمل والواجب لا يُكافأ عليه المرء بامتيازات خاصة بل يظل شرفاً يؤديه صاحبه للوطن.
إننا في بوابة المحروسة 2030 نحتفي بهذه النماذج الوطنية الملهمة، لنؤكد أن هيبة المؤسسات وقوتها تبدأ دائماً من احترام المواطن البسيط وإعلاء قيمة العمل والنزاهة فوق أي اعتبارات. رحم الله بطل الانضباط اللواء أحمد رشدي وأسكنه فسيح جناته.




