
في وقت تشهد فيه الساحة الدولية حالة من الترقب والتباطؤ الإجرائي تجاه الأزمات المشتعلة، تستمر الدولة المصرية في إثبات دورها المحوري كلاعب رئيسي قادر على إدارة دفة الأحداث وإعادة توجيه البوصلة السياسية في المنطقة نحو الاستقرار والعدالة.
ولا تعد جولات المفاوضات والاجتماعات الدبلوماسية المستمرة حالياً في القاهرة مجرد لقاءات بروتوكولية تقليدية، بل تمثل مساراً حاسماً وجاداً تقوده الدبلوماسية المصرية بالتعاون والتنسيق مع الشركاء الإقليميين في قطر وتركيا، بهدف فرض واقع سياسي جديد يرتكز على إحلال السلام العادل والشامل، وإلزام الأطراف الدولية وحكومة الاحتلال الإسرائيلي بالانصياع للمواثيق والقرارات الأممية.
ووفقاً لما أفادت به مصادر مطلعة لقناة “القاهرة الإخبارية” في تقاريرها الميدانية الأخيرة، فإن ثمة تنسيقاً ثلاثياً رفيع المستوى يجري في كواليس العواصم المعنية لتفكيك حالة الجمود الراهنة الناتجة عن تعنت حكومة بنيامين نتنياهو، والضغط بشكل مباشر باتجاه وضع بنود “اتفاق شرم الشيخ” موضع التنفيذ، والانتقال الفعلي إلى المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار الشامل.
أبعاد التعنت الإسرائيلي والمواقف الدولية في قطاع غزة
ويكشف المشهد الميداني عن أبعاد المخططات التي تسعى حكومة الاحتلال لتنفيذها، مستغلة الانشغال الإقليمي بملفات أخرى لفرض سياسة الأمر الواقع داخل قطاع غزة. وتُظهر تصريحات القادة الميدانيين للاحتلال وجود نوايا لإحكام السيطرة العسكرية على مساحات شاسعة تتراوح ما بين 60% إلى 70% من المساحة الإجمالية للقطاع، وتحويله إلى كانتونات جغرافية معزولة عبر تقطيع أوصاله في منطقة محور صلاح الدين (فلادلفيا). وهي التحركات التي واجهتها الإدارة المصرية بحسم قاطع، مجددة رفضها المطلق لأي مساس بالسيادة الفلسطينية، أو القبول بمحاولات التهجير القسري للأشقاء.
وفي المقابل، يرى مراقبون أن الإدارة الأمريكية المستمرة في دور الوساطة تتبنى معايير مزدوجة؛ إذ تطرح مشاريع وخطط السلام في العلن، بينما يستمر تدفق الدعم السياسي والعسكري لآلة الحرب الإسرائيلية، مما يسهم في إطالة أمد المواجهة، واستمرار تدمير البنى التحتية والمنشآت الحيوية في القطاع بشكل كامل.
إعادة ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني وحوكمة السلاح
ويأتي ملف ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني كأحد أكثر الملفات سخونة وأهمية داخل أروقة النقاش الإداري والسياسي في القاهرة؛ حيث تضع المباحثات الحالية الفصائل الفلسطينية كافة أمام مسؤولياتها التاريخية لإنهاء حالة الانقسام الداخلي المستمرة منذ عام 2006.
ويرى دبلوماسيون ومحللون بارزون – وفي مقدمتهم السفير ممدوح جبر والدكتور حسن الدعجة في قراءاتهم التحليلية للمشهد – أن المرحلة الراهنة تتطلب انضواء كافة الأطياف تحت مظلة شرعية موحدة تمثلها “منظمة التحرير الفلسطينية”، بهدف الوصول إلى صيغة وطنية شاملة تقوم على مبادئ: دستور واحد، قانون واحد، وسلاح شرعي واحد.
وتشير القراءات التاريخية لتجارب التحرر الوطني عبر العالم – من فيتنام إلى الجزائر وصولاً إلى التجربة المصرية – إلى أن المسارات السياسية والدبلوماسية لا تحقق مستهدفاتها بمعزل عن أوراق القوة الميدانية، مما يجعل الكفاح الدبلوماسي مكملاً للعمل الميداني. إلا أن حالة التعددية غير المنضبطة في اتخاذ القرار العسكري أو الخضوع لإملاءات خارجية، تشكل الذريعة التي يستغلها الاحتلال للاستمرار في تدمير قطاع غزة ومحاولة عزله جغرافياً وسياسياً عن الضفة الغربية والقدس الشرقية.
القاهرة مرجعية الحل الإستراتيجي
وتؤكد التحركات المصرية الحالية أن محاولات الجانب الإسرائيلي للتنصل من التزامات “اتفاق شرم الشيخ” عبر التصعيد العسكري الأخير لن تنجح في تغيير ثوابت الموقف؛ حيث يستهدف الحراك الدبلوماسي الراهن تحقيق جملة من الأهداف الإستراتيجية، أبرزها:
كبح الجماح التوسعي لحكومة نتنياهو ووقف مخططات قضم الأراضي داخل القطاع.
إلزام المجتمع الدولي بإعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة جدول أعمال الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي كقضية تصفية استعمار وحق تقرير مصير.
فرض برامج التعافي المبكر، وضمان التدفق الكامل واللامشروط للمساعدات الإنسانية والإغاثية، وإطلاق جهود إعادة الإعمار بقرار سيادي فلسطيني-عربي مستقل.
إن القراءة الموضوعية لطبيعة المواقف الغربية تؤكد أن المراهنة على الوعود الدولية أو المجالس الأممية التقليدية دون وجود أوراق ضغط حقيقية على الأرض هي مراهنة غير كافية، نظراً لطبيعة التوازنات الدولية التي تميل تاريخياً لدعم الجانب الإسرائيلي.
