
رئيس مجلس إدارة مجموعة كيانات بوابة المحروسة
تظل كواليس وتفاصيل ما بعد ثورة يوليو 1952 مادة خصبة للمؤرخين والباحثين في دفتر التاريخ المصري الحديث؛ لما تحمله من ومضات إنسانية وحكايات لم يعشها الجيل الحالي. ومن بين أكثر هذه القصص إثارة وشجناً، تأتي قصة الملكة السابقة “فريدة” (صافيناز ذو الفقار)، الزوجة الأولى للملك فاروق، والتي كشفت شهادات المقربين منها عن تفاصيل مأساوية عاشتها عقب صدور قرارات مصادرة أملاك العائلة المالكة، لتتحول حياتها من بريق القصور إلى حياة زاهدة ومتواضعة صنعت منها فنانة تشكيلية من طراز رفيع.
لغز الخزنة السرية في بنك مصر عام 1984
واحدة من الحوادث الشهيرة والمسجلة في الدفاتر الاقتصادية والتاريخية، تعود إلى عام 1984، حينما عُثر في إحدى خزائن بنك مصر على مجموعة من المجوهرات النادرة التابعة للعائلة المالكة السابقة. وتواترت الروايات التاريخية بأن هذه المجوهرات كانت قد رُهنت في وقت سابق من قِبل زوجة أحد رجال ثورة 1952 مقابل الحصول على قرض مالي ضخم قُدّر آنذاك بنحو 15 مليون دولار.
ومع عدم سداد قيمة القرض ووفاة السيدة، قام البنك بفتح الخزنة رسمياً ليكشف الغطاء عن محتوياتها الأثرية والتاريخية، والتي كان من بينها قطع فريدة من الحلي، بل وتردد أن من بينها “تاج الملكة فريدة” شخصياً، مما فتح الباب وقتها لتساؤلات واسعة حول كيفية خروج هذه المقتنيات من التحفظ الرسمي إلى الحيازة الشخصية والرهن البنكي.
شهادة الدكتورة لوتس عبد الكريم.. بروش “رد قلبي” وعقد الماس
وفي سياق التوثيق الإنساني لهذه المرحلة، تروي الدكتورة الفنانة لوتس عبد الكريم، وهي الصديقة المقربة والكاتبة لقصة حياة الملكة فريدة، تفاصيل تكشف حجم الألم النفسي الذي عاشته الملكة السابقة. وتنقل عنها أن ما أحزنها لم يكن مجرد مصادرة مجوهراتها، بل لأن “مصر لم تستفد بالقيمة الحقيقية لهذه المقتنيات”؛ حيث بيع جزء كبير منها في سويسرا بأسعار بخسة لجهل واضعي اليد بقيمتها التاريخية والأثرية النادرة.
وتشير الرواية الموثقة إلى أن الملكة فريدة فوجئت في إحدى المناسبات العامة بزوجة أحد المسؤولين النافذين آنذاك وهي ترتدي عقداً فاخراً من الماس، لتكتشف الملكة على الفور أنه عُقدها الخاص الذي صودر منها.
وتعيد هذه الأجواء إلى الأذهان المشهد الشهير في فيلم “رد قلبي” (المأخوذ عن رواية الكاتب يوسف السباعي)؛ فالمفارقة التاريخية تقول إن الثورة عندما قامت في يوليو 1952، كان قد مر على طلاق الملكة فريدة من الملك فاروق أكثر من ثلاثة أعوام، وكانت تعيش بصورة مستقلة تماماً في قصرها الذي بناه لها والدها في منطقة الهرم. ومع ذلك، شملتها قرارات المصادرة، وطالت “الخاصة الفريدية” التي تبلغ نحو 1700 فدان، وقصر الطاهرة الذي كان فاروق قد أهداه لها، وصولاً إلى أموالها في البنوك ومجوهراتها، لدرجة أنها عندما اكتشفت نقص “بروش” من مقتنياتها أثناء الجرد، أحضرته بنفسها وسلمته للجنة، وهو الموقف الذي جُسد درامياً في السينما المصرية.
من بريق القصور إلى شقة حلوان.. والفن طوق النجاة
عقب تجريدها من كافة ممتلكاتها، انتقلت الملكة فريدة للعيش في شقة صغيرة متواضعة بمنطقة حلوان. ولم تتوقف المعاناة عند حدود المادة، بل امتدت إلى مضايقات شخصية وضغوط اجتماعية قاسية؛ حيث تشير شهادات المقربين منها إلى تعرضها لمطاردات وشائعات استهدفت تشويه سمعتها عقب رفضها عروضاً للزواج من بعض الشخصيات النافذة في مجلس قيادة الثورة (ومنهم جمال سالم)، وصدر بحقها قرار بالمنع من السفر دام لنحو خمس سنوات، مما جعلها تعيش أسوأ أيام حياتها تحت وطأة الحصار المعنوي.
لكن، ومثلما تولد المنحة من رحم المحنة، كان “الفن” هو طوق النجاة الحقيقي للملكة السابقة. فقدلاذت بالموسيقى وريشة الرسم، وتحولت شقتها البسيطة إلى مرسم تنفث فيه آلامها وذكرياتها. وبدأت في رسم لوحات تشكيلية بديعة تعبر عن الهوية المصرية وأشجانها الخاصة، وهي اللوحات التي بدأت في بيعها لاحقاً والإنفاق من عائداتها على حياتها اليومية المتواضعة بكل كبرياء وشموخ.
رؤيتنا في بوابة المحروسة.. قراءة التاريخ بعيون الحقيقة
إن قصة الملكة فريدة ليست مجرد سير ذاتية لامرأة توجت يوماً على عرش مصر، بل هي نافذة وثائقية تمنحنا فرصة لقراءة التاريخ بوعي وبعيداً عن الأحكام المطلقة. في “بوابة المحروسة”، نرى أن مراجعة هذه الومضات التاريخية واستعراض شهادات عيانها (كالدكتورة لوتس عبد الكريم) يسهم في تقديم صورة متكاملة للأجيال الجديدة؛ فالأوطان تبنى بمعرفة الحقيقة كاملة، والاعتراف بأن أخطاء الأفراد وتجاوزات السلطة في أي عصر لا تلغي المنجزات، ولكنها تظل دروساً مستفادة لحماية الحقوق وصون كرامة الإنسان.
