
مع إشراقة شهر الله المحرم، أول شهور السنة الهجرية وأحد الأشهر الحرم الأربعة التي عظم الله شأنها وضاعف فيها أجور الطاعات، يستعد العالم الإسلامي لإحياء مناسبة دينية جليلة تحمل في طياتها معاني التوكل، والنصر، واليقين؛ وهي مناسبة “يوم عاشوراء” الذي يوافق العاشر من شهر محرم.
قصة تاريخية ملهمة: نجاة المستضعفين وهلاك الطغيان
وتعود رمزية هذا اليوم العظيم إلى حدث تاريخي مفصلي في تاريخ البشرية، ومثل نقطة تحول كبرى في صراع الحق ضد الباطل؛ حيث نجّى الله عز وجل فيه نبيه موسى -عليه السلام- وقومه المستضعفين من بطش فرعون وجنوده. وتبرز في هذا اليوم قيم اليقين المطلق بالله والتأسي بموقف نبي الله موسى حينما حاصره الأعداء والبحر من أمامه، فقال بلسان الواثق بنصر الله: «كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ»، فكان أن جعل الله مكان الهلاك المتوقع (وهو البحر) طريقاً لنجاة المظلومين ومكاناً لهلاك الظالمين.
صيام عاشوراء: اتباع للسنة النبوية وشكرٌ للنعم
ويحرص المسلمون حول العالم على صيام هذا اليوم إحياءً للسنة النبوية المؤكدة، وتعبيرًا عن شكر الله تعالى على نعمه وفضله. وعن أجر هذا اليوم، يستند فقهاء الأمة إلى الحديث النبوي الشريف الذي رواه الإمام مسلم عن النبي ﷺ: «وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ».
وفي إطار الالتزام بالخصوصية العبادية للمسلمين، يوصي العلماء باتباع الهدي النبوي في صيام يوم “تاسوعاء” (التاسع من محرم) إلى جانب يوم عاشوراء، حرصاً على مخالفة صيام أهل الكتاب الذين كانوا يفردون العاشر بالصيام فقط، بينما يجوز شرعاً صيام (التاسع والعاشر، أو العاشر والحادي عشر).
الدروس المستفادة: منظومة قيم متكاملة
ولا تتوقف المناسبة عند حدود الصيام الفردي، بل تمتد لتكون مدرسة تربوية متكاملة تُستوحى منها دروس وعبر يومية، ومن أبرزها:
التوكل واليقين: أن حسن الظن بالله والتوكل عليه هو سبب النجاة والفوز في الشدائد.
الحذر لا يمنع القدر: حيث نشأ موسى عليه السلام في بيت فرعون نفسه الذي كان يخشى زوال ملكه على يده.
طريق النصر: يتطلب دائماً الإيمان، والجهاد النفسي، والابتلاء، والتحلي بالصبر والثبات.
دعوة لأعمال البر والتكافل الاجتماعي
وإلى جانب الصيام، يُقبل المسلمون في هذه الليلة والأيام المباركة على حزمة من الأعمال الصالحة المستحبة في شهر الله المحرم، والتي تساهم في تعزيز التكافل الاجتماعي، ومنها: الإكثار من تلاوة القرآن الكريم، الاستغفار والدعاء، الصدقة ومساعدة المحتاجين، بر الوالدين وصلة الأرحام، والمحافظة على الصلوات في أوقاتها.
وتختتم الأمة الإسلامية مبتهلة إلى الله عز وجل في هذه الأيام المباركة أن يجعلها من الشاكرين المتوكلين، وأن ينشر السلام والأمن والأمان في ربوع بلاد المسلمين والعالم أجمع.
