
رئيس مجلس إدارة مجموعة كيانات بوابة المحروسة
من يقف اليوم في قلب محطة الرمل، ويتأمل ملامح الإسكندرية، لا يمكنه إلا أن يشعر بغصة في الحلق، وحزن دفين على مدينة كانت يوماً عاصمة للثقافة، ومنارة للمهرجانات، ومهداً لسياحة اليخوت، وعروساً متوجة على عرش البحر الأبيض المتوسط. الإسكندرية التي كانت تفوح بأناقة الجاليات اليونانية، والإيطالية، والأرمنية، تبدو اليوم وكأنها تُجرد عمداً من ماضيها وتاريخها العتيق، لتكتسي بملامح غريبة عنها، لا تشبه تاريخها ولا تليق بمكانتها. إنها صرخة نطلقها اليوم لا لمجرد البكاء على الأطلال، بل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هوية مدينة تندثر معالمها العريقة يوماً بعد يوم.
وفي هذا المقال التحليلي الصادق عبر “بوابة المحروسة”، ننقل لكم صدى تساؤل ثقافي ملح طرحناه بالأمس في ندوتنا مع المخرج السينمائي الكبير الدكتور مدحت مكاوي بنادي اليخت، ونضعه أمام الرأي العام وأمام معالي المحافظ المهندس أيمن عطية: هل يمكن للإسكندرية أن تعود يوماً إلى سابق عهدها؟
رحلة في ذاكرة محطة الرمل.. من “هانو” وصيدلية “جوانيدس” إلى زمن “الفلاح وبازوكا”!
حين نعود بالذاكرة إلى “زمن الإسكندرية الجميل”، نستحضر فوراً شارع سعد زغلول حين كان يسير في اتجاهين مفعمين بالأناقة، وتحيط به محلات ذات صيت وغنى وأسماء رنانة شكلت واجهة مصر الحضارية؛ مثل محلات “هانو”، و”الصالون الأخضر”، و”صيدلية جوانيدس” العتيقة التي تحولت اليوم إلى محل ملابس، وفندق “متروبول” الشامخ الذي استقبل الرؤساء والزعماء والمشاهير. حتى مبنى بنك الإسكندرية العريق (مجموعة انتيسا سان باولو حالياً) الذي يشغل جزءاً من محلاته “محمد أحمد” أشهر بائع فول وسندوتشات بالثغر، نخشى عليه اليوم بعد رحيل صاحبه -رحمه الله- من أن يطاله قطار التغيير التجاري الجاف ليتحول إلى كبدة أو كشري!
المأساة الكبرى تكمن في هذا الزحف التجاري العشوائي الذي بدّل لافتات محطة الرمل الثرية والأنيقة، لتنتصر الأسماء العشوائية وتتحول المنطقة إلى مرتع لمحلات الوجبات السريعة وباعة الشاورما بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان. لقد تلاشت البصمة اليونانية والإيطالية الرومانسية لتصبح لافتات المدينة تصم الأعين، تماماً كما تصم “أغاني المهرجانات” الآذان، في تحول بصري مرعب يفقد المدينة معناها وتاريخها الإنساني.
جدران خرسانية تحجب الأفق.. أين اختفى بحر الإسكندرية؟
إن الإسكندرية يا سادة ليست مجرد شاطئ ومياه، بل هي الشوارع والحواري الداخلية، وهي هذا الأفق المفتوح الذي كان يغسل هموم السكندريين. واليوم، عندما تسير على كورنيش البحر، تصدمك الحقيقة المرة: لم تعد ترى البحر! لقد حُجبت الرؤية بفعل “قطعان من الخرسانة” وكتل أسمنتية صُبّت على الشاطئ لتُقام عليها كافيهات ومحلات تجارية مشوهة بأسماء غريبة، وكأن هناك إصراراً على حرمان المواطن من حقه الطبيعي في تأمل زرقة مياهه.
يكفي أن تقف اليوم أمام تمثال الزعيم سعد زغلول الشامخ؛ قديماً كنت تلتفت لترى شاطئ الإسكندرية الممتد الرائع، وتتوسط عينيك قلعة قايتباي التاريخية، وإن مشيت قليلاً تجد مكتبة الإسكندرية العريقة وأمامها حديقة السلسلة وتمثال الشراع الساحر الذي صممه فنان سكندري مبدع في النحت. اليوم، تحاصرك العشوائية البصرية من كل جانب، وتجعلك تتساءل في حرقة: لو كان الإسكندر الأكبر يعلم أن حال مدينته سيؤول إلى ما آلت إليه اليوم من اندثار للهوية، هل كان سيفكر في تأسيسها من الأساس؟
سؤال مستحق لمعالي المحافظ المهندس أيمن عطية: هل ستعود الإسكندرية؟
هذا السؤال الصعب والمؤلم، الذي طرحته بالأمس في ندوة المخرج السينمائي المعروف الدكتور مدحت مكاوي بنادي اليخت بحضور نخبة من المثقفين والمبدعين، نتوجه به اليوم مباشرة إلى معالي الوزير المحافظ المهندس أيمن عطية، وهو أحد أبناء الإسكندرية الذين يعلمون يقيناً قيمة حواريها وشوارعها وتاريخها: هل يرضي سيادتكم هذا الحال الذي وصلت إليه عروس البحر؟ وهل يمكن لجهود الإدارة المحلية أن تعيد للمدينة هيبتها الثقافية والمعمارية؟
رؤيتنا في بوابة المحروسة.. الأمل بين الشك والرجاء
إننا في “بوابة المحروسة”، وانطلاقاً من مسؤوليتنا الوطنية والتحريرية تجاه تراث الإسكندرية، نرى أن المدينة تعيش مرحلة حرجة من فقدان الهوية والهدف. ورغم أن القراءة الواقعية للمشهد تجعلنا نشكك في إمكانية عودة الإسكندرية الكوزموبوليتانية القديمة، بل ونرى ذلك مستحيلاً في ظل التبدل الديموغرافي والتجاري الحالي، إلا أننا لا نملك إلا أن نتمنى ونطالب بوقفة حاسمة. الإسكندرية تستغيث، وشوارعها وحواريها الداخلية تستحق خطة إنقاذ عاجلة تعيد للثغر ضياءه وسحره المفقود، وربنا يستر على ما تبقى من معالم مدينتنا الجميلة.
ضيف تعليقك وقول رأيك
