
بقلم اللواء عبد الحميد خيرت
وكيل الإدارة العامة للأمن الوطنى السابق
بوابة المحروسة الإسكندرية
✍️ كثيراً ما يتردد في النقاشات السياسية أن إسرائيل هي التي تدفع الولايات المتحدة نحو المواجهة مع إيران، وكأن واشنطن مجرد تابع يسهل التأثير عليه. غير أن هذا الطرح، رغم انتشاره، يتجاهل طبيعة النظام الدولي ومكانة الولايات المتحدة فيه، كما يتجاهل تاريخاً طويلاً من السياسات والاستراتيجيات الأمريكية في الشرق الأوسط.
فالولايات المتحدة ليست دولة هامشية يمكن جرّها إلى حرب كبرى بقرار من دولة أخرى، حتى لو كانت حليفاً وثيقاً مثل إسرائيل. إن القرار الأمريكي بالحرب أو المواجهة يخضع عادةً لحسابات استراتيجية معقدة تتعلق بمصالح الأمن القومي، وموازين القوى الإقليمية، وحماية طرق الطاقة والتجارة العالمية، إضافة إلى الحفاظ على النفوذ الأمريكي في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم حساسية.
من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التوترات المتصاعدة مع إيران ضمن سياق أوسع من مجرد استجابة لضغوط إسرائيلية. فالعلاقة بين واشنطن وطهران شهدت صراعاً ممتداً منذ عقود، يتداخل فيه الملف النووي، والنفوذ الإقليمي، والتحالفات العسكرية، والتنافس على تشكيل ملامح النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. وبالتالي فإن أي تحرك أمريكي تجاه إيران غالباً ما يكون جزءاً من استراتيجية أشمل تتجاوز حسابات طرف واحد.
لا يعني ذلك أن إسرائيل ليست طرفاً مؤثراً في المعادلة. فتل أبيب تنظر إلى إيران باعتبارها تهديداً استراتيجياً لأمنها، وتسعى باستمرار إلى حشد الدعم الدولي لمواجهة هذا التهديد. كما أن المصالح بين الولايات المتحدة وإسرائيل تتقاطع في عدد من الملفات الأمنية والعسكرية، ما يجعل التنسيق بينهما أمراً طبيعياً في كثير من الأحيان.
لكن في نهاية المطاف، تبقى الولايات المتحدة صاحبة القرار النهائي فيما يتعلق بسياساتها الخارجية والعسكرية. فالقوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية التي تمتلكها تمنحها القدرة على صياغة استراتيجيات طويلة المدى تخدم مصالحها العالمية، وليس فقط مصالح حلفائها.
إن فهم ما يجري في المنطقة يتطلب الابتعاد عن التفسيرات التبسيطية التي تختزل المشهد في فكرة أن دولة ما تجر دولة أخرى إلى الحرب. الواقع غالباً أكثر تعقيداً، حيث تتقاطع المصالح، وتتداخل الحسابات، وتتحرك القوى الكبرى وفق رؤى استراتيجية تسعى من خلالها إلى إعادة ترتيب موازين القوة والنفوذ.
وفي ظل هذا التعقيد، يصبح من الضروري قراءة الأحداث بموضوعية، والتمييز بين ما هو خطاب إعلامي أو سياسي، وبين ما تعكسه الوقائع على الأرض من صراعات استراتيجية أعمق تتعلق بمستقبل المنطقة ودورها.
