بقلم اللواء عبد الحميد خيرت وكيل الادارة العامة للامن الوطني السابق بوابة المحروسة الاسكندرية
شخصية حادة، وهيبة طاغية، ونظرة واحدة منه كانت كفيلة بأن تجعل الجميع يعيد حساباته. وبحكم إقامته الدائمة بمنطقة المعمورة الشاطئ، وكوني وقتها رئيس مكتب مباحث أمن الدولة بالمعمورة ، كان وجوده يمثل عبئًا أمنيًا ثقيلًا على كل الخدمات المكلفة بتأمين محل إقامته.
كنت دائم الحرص على الابتعاد عن دائرة اهتمامه.
ففي ذلك الزمن، كان مجرد المرور أمامه دون داعٍ مخاطرة لا يتمناها أحد، وكنت أعتبر الابتعاد عن مرمى بصره مكسبًا في حد ذاته.
لكن في اليوم الذي صدر فيه قرار إقالته من منصبه، تبدل المشهد تمامًا.
وصل اللواء زكي بدر إلى مسكنه بالمعمورة الشاطئ ، بصحبة حراسته الشخصية فقط، وكانت التعليمات واضحة:
“المقدم عبد الحميد خيرت يكون في استقبال سيادته.”
وقفت أمام منزله في انتظاره، وما إن توقفت السيارة ونزل منها، حتى تقدمت نحوه بثبات، وأديت له التحية العسكرية.
نظر إليّ للحظة، ثم مد يده لمصافحتي.
عرفته بنفسي:
— “المقدم عبد الحميد خيرت… أمن الدولة يا فندم.”
ثم وجدت نفسي أقول كلمات احتفظت بها طويلًا، ولم أجرؤ يومًا على التصريح بها خوفًا من أن تُفهم بشكل خاطئ:
— “في كلام ماقدرتش أقوله لحضرتك قبل كده… لكن لو في فترة أفتخر بيها كضابط شرطة، فهي فترة وجود سيادتك وزيرًا للداخلية… تؤمر يا فندم بأي حاجة.”
توقف قليلًا، وحدق في وجهي باهتمام لأول مرة، ثم قال:
— “قلتلي اسمك إيه؟”
— “عبد الحميد خيرت يا فندم.”
سألني مباشرة:
— “إنت قريب محافظ سوهاج؟”
أجبته:
— “يبقى عمي يا فندم.”
ثم أردف:
— “واللواء رؤوف خيرت؟”
قلت:
— “ابن عمي.”
هز رأسه وكأنه يستعيد أسماء يعرفها جيدًا، ثم قال بنبرة هادئة لم أعتدها منه:
— “أنا قاعد كام يوم… أشوفك فيهم.”
ثم دخل إلى مسكنه.
عدت يومها إلى مكتبي وأنا أشعر بسعادة غريبة لا أستطيع وصفها.
فذلك اللقاء القصير، الذي بدأ بتحية عسكرية، فتح باب علاقة إنسانية لم أكن أتوقعها يومًا.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت لقاءاتي باللواء زكي بدر تتكرر كلما حضر إلى الإسكندرية.
ومع الوقت، تحولت تلك الجلسات إلى مدرسة أتعلم منها. كنت أستمع لحكاياته، وأستفيد من خبراته، وأناقشه في وقائع وأحداث شغلت الرأي العام لسنوات.
وكان، رغم هيبته المعروفة، يجيبني بصراحة وثقة عن كل ما يدور في ذهني من تساؤلات.
عرفت فيه عن قرب رجل دولة حقيقيًا…
قويًا، جريئًا، حاسمًا، وصاحب شخصية لا تُنسى.
رحم الله اللواء زكي بدر…
فقد كان واحدًا من الرجال الذين تركوا أثرًا لا يمحوه الزمن .
