
رئيس مجلس إدارة مجموعة كيانات بوابة المحروسة الإخبارية
ماجت صفحات التواصل الاجتماعي واشتعلت المنصات الرقمية والمواقع الإخبارية بالنقاشات عقب التطورات القضائية الأخيرة وبيان النيابة العامة بشأن قضية صبري نخنوخ. وفي خضم هذا الزخم، التقط الإعلامي عمرو أديب خيطاً هاماً حين تحدث عن وجود مستويات متعددة من هذه الظاهرة؛ واصفاً إياهم بـ «النحانيح» ما بين صغار ومتوسطين وكبار.
لكن، إذا ما أمعنا النظر من زاوية وثيقة الصلة بالواقع الإداري والتنفيذي، وبموجب متابعة قوية وقراءة دقيقة للمشهد، سنجد أن الظاهرة تجاوزت البُعد الأمني لتتسلل إلى مسلك بعض المسؤولين والتنفيذيين؛ الذين باتوا يسيرون في فلك يشبه ذلك السلوك، لنصبح أمام نوع من “النحنوح الفقير” إدارياً، والذي يحاول المحاكاة والتقليد دون وعي.
«البروتوكول الزائف».. عندما يتحول المسؤول إلى مشهد سينمائي
إن ما نلحظه اليوم على منصات السوشيال ميديا يجسد بوضوح هذه الحالة؛ إذ تجد بعض المسؤولين التنفيذيين يسيرون وفي ركابهم طابور طويل عريض يمثل دولاب العمل التابع لهم. هم بالطبع لا يقصدون “النخنخة” بمعناها الإجرامي، ولكنهم يستهدفون “المنظرة” والوجاهة والابهة الاجتماعية الزائفة.
تأمل المشهد حين يدخل المسؤول إلى قطاع خدمي، سواء كان مستشفى أو عيادة أو مؤسسة؛ تجد من يمسك له الهاتف، ومن يحمل خلفه الأجهزة، وآخر عن اليمين وآخر عن اليسار، وأمامه كاميرات توثق كل حركة وسكنة، وكأنه مأمور قسم أو ضابط مباحث في مداهمة أمنية! ينزل من سيارته وتجري أمامه تلك “الأمشجية” والركاب في قمة العظمة والغطرسة، وكأنه يحمل صفة الضبطية القضائية، بينما الواقع والوظيفة يحتمان عليه التواضع وخدمة الجماهير.
والغريب في الأمر، أنك لو فحصت الميزان المهني، لوجدت أن هذا المسؤول صاحب الغطرسة قد يكون أقل وظيفياً أو مهنياً في سنوات الخبرة من الكوادر التي يدخل عليها بعنجهيته. لكنها الطبيعة الوظيفية والنظام الإداري؛ فليس كل الناس مدراء، وليس الكل وكلاء وزارات أو وزراء. لذا، وجب على كل مسؤول تتبعه الأضواء أن يدرك أن من يقف أمامهم في موقع الخدمة قد يكونون أكثر منه حرفية وأقدم منه مهنية، لكنها “ظروف الكراسي”؛ بل إن هناك شرفاء كثر عُرضت عليهم تلك المقاعد القيادية ورفضوها زهداً، مفضلين صعود السلم المهني خطوة بخطوة، بعيداً عن صخب النفاق و”الحفلطة” والتحذلق الإداري.
تجربة 30 عاماً.. الكرسي لا يصنع إنساناً
اسألوني أنا؛ فمن واقع تجربة مهنية وعملية امتدت لـ 30 عاماً في قطاع البنوك العام، جلست خلالها على المقاعد القيادية وعاينت كيف يمكن لهذا “الكرسي” أن يغير النفوس والطباع. لكني لم أتغير؛ لليقين الحاسم بأن الإنسان هو من يصنع القيمة للمقعد وليس العكس.
إن الكرسي لا يصنع إنساناً، وعندما تركت العمل المصرفي، ظللت كما أنا منذ البداية وحتى النهاية، أراعي الله في عملي، لا أؤذي أحداً، ولا أفتئت على كرامة زميل، لأنني كنت أعلم يقيناً أنه سيأتي يوم أخلع فيه بدلة الوظيفة ورابطة العنق الرسمية، لأعود رجلاً عادياً وسط الناس؛ سلاحه الوحيد هو تاريخه وسيرته التي صنعها على مدار الساعة بالعدل ومراعاة الله في كل المعاملات.
مصير «النخنخة الإدارية» ومستقبل الأثر
من هنا يصنع الاسم وتبقى السيرة؛ أما من توهم أن البريق الإداري يمنحه حصانة للتطاول أو العظمة، فسيأتي عليه اليوم الذي يزول فيه نفوذه، ليجد نفسه في “مزبله التاريخ الإداري”. لا بد أن يستوعب الجميع أن الكراسي إلى زوال، وأن القيمة ليست بالدرجة الوظيفية مهما علت، فالمسؤول راحل لا محالة؛ سواء بانتهاء المدة، أو بعدم التجديد، ولن يتبقى منه بين جدران المؤسسات وفي قلوب البشر إلا “الأثر الطيب”.
إننا في ممارستنا للكتابة الصحفية ومتابعتنا للشأن العام، لا نبحث عن ركوب “الترند” الزائل، بل نبحث عن بقاء “الأثر”؛ فهل يعي النخانيخ الجدد والمنفوخون في كراسيهم الدرس؟ وهل تكون نهاية “نخنوخ” نبراساً للجميع بأن سلطة القانون فوق الجميع، وأن هيبة الدولة لا تحتمل التغول والمنظرة الزائفة؟
إن الأيام دول، والكرسي لو دام لغيرك ما وصل إليك، فلنترك خلفنا أثراً صالحاً، وإلى مقال آخر قريب إن شاء الله.. فانتظرونا.
