
في ضربة رقابية وأمنية هي الأكبر من نوعها لحماية مقدرات الاقتصاد الوطني وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، نجحت الهيئة المصرية العامة للبترول، بالتنسيق الكامل والمشترك مع رجال الإدارة العامة لمباحث التموين، في تفكيك شبكات تنظيمية بالغة التعقيد وصفت بـ “مافيا تهريب المواد البترولية”. وتأتي هذه التحركات الحاسمة لترد بقوة على مخاوف الشارع المصري المنشغل بملفات صون الثروات القومية ومكافحة كافة أشكال النهب والتخريب؛ سواء في قطاع الطاقة أو الجهود الموازية التي تبذلها الدولة لتعقب عصابات التنقيب غير المشروع عن الذهب والمعادن النفيسة في الأراضي والصحاري المصرية.
وجاءت هذه الحملة الميدانية المكبرة لتكشف عن حجم التلاعب والفساد الذي مارسته تلك الكيانات الاحتكارية عبر إدارة منشآت وهمية وتخزين ملايين اللترات تحت الأرض، فضلاً عن تعمدها تخريب ممتلكات المواطنين عبر غش المحروقات، حيث أسفرت الضبطيات عن التحفظ على ما يتجاوز المليون لتر من المواد البترولية المدعومة بداخل سبع محافظات رئيسية.
أولاً: جغرافية المداهمات.. ضربات متزامنة تطال 150 منشأة ومستودعاً
لم تكن الحملة الرقابية وليدة الصدفة، بل جاءت بناءً على معلومات استخباراتية وتحريات دقيقة استهدفت في توقيت متزامن أكثر من 150 محطة وقود ومستودع توزيع تغطي مساحات جغرافية واسعة من الجمهورية، وتركزت بؤر المخالفات والضبطيات الكبرى في المحافظات التالية:
العاصمة والوجه البحري: القاهرة، الغربية، البحيرة، والشرقية.
المحافظات الساحلية: عروس البحر الأبيض المتوسط (الإسكندرية)، ودمياط.
الوجه القبلي: أسيوط وأسوان (مستودعات الصعيد).
ثانياً: الخزانات الخرسانية والمنشآت “الشبحية”.. حيل شيطانية للتهريب والغش
أماطت التحقيقات الرسمية اللثام عن أساليب وحيل تكنولوجية وهندسية مبتكرة استخدمتها تلك الشبكات للتخفي بعيداً عن أعين مفتشي الرقابة التموينية والتجارية، وجاءت أبرز تلك المخالفات على النحو الآتي:
مخابئ خرسانية تحت الأرض: في محافظة الغربية، عثرت الحملة على خزانات أرضية سرية جرى تشييدها بعمق كبير وتغطيتها بطبقات خرسانية كثيفة للتمويه، حيث عُثر بداخلها على عشرات الآلاف من لترات السولار المهرب. وفي القاهرة، جرى ضبط “بيارات سرية” مخصصة لتجميع المازوت الصناعي.
شبكات أنابيب ومضخات خطرة: تم رصد توصيلات وخطوط أنابيب غير قانونية ومضخات (طلمبات) كهربائية مكشوفة جرى تركيبها بشكل عشوائي وشديد الخطورة على الأمن والسلامة العامة للمناطق المحيطة، واستخدمت لتفريغ وشحن الحصص المهربة ليلاً
.
محطات وقود ومصانع طوب “وهمية”: فجرت الفحص الرقابي مفاجأة بضبط 4 محطات وقود كاملة في قلب محافظة القاهرة كانت مغلقة تماماً ومتوقفة عن النشاط فعلياً، ومع ذلك كانت تستمر في صرف حصصها الرسمية المدعومة من الدولة بانتظام وتسريبها بالكامل للسوق السوداء.
وبالتوازي، تم ضبط مصانع طوب وهمية ومتوقفة عن الإنتاج في عدة مناطق، كانت تستغل تراخيصها القديمة للحصول على وقود مدعوم بغرض إعادة بيعه للتربح الحرام.
مافيا مستودعات الجنوب: كشفت الرقابة عن تشكيل عصابي تخصص في التلاعب الدفتري داخل أحد المستودعات الكبرى في جنوب مصر، من خلال تحميل كميات إضافية ضخمة من المحروقات بالمخالفة للفواتير الرسمية المعمدة وتصريفها بطرق غير مشروعة، وتتبع تحويلات مالية مشبوهة مرتبطة بهؤلاء المتهمين.
ثالثاً: تخريب سيارات المواطنين ومصادرة أطنان المازوت والبوتاجاز
لم يتوقف جرم هذه الشبكات عند حدود سرقة الدعم وإهدار المال العام، بل امتد ليمس جيوب وممتلكات المواطنين العاديين؛ حيث أسفر الفحص الفني لصهاريج بعض المحطات المخالفة (ولاسيما في القليوبية والمنوفية) عن وجود عمليات خلط متعمد للبنزين والسولار بالماء والشوائب، مما يتسبب في تلفيات مباشرة وفورية لمحركات سيارات المواطنين الصاعدين على الطرق. كما تم رصد تلاعب فني وتخفيض في معايير مسدسات التعبئة لإعطاء كميات أقل من القيمة المدفوعة، وجرى إحالتها فوراً للهيئة العامة للمواصفات والمقاييس والدمغ والموازين.
حصاد الضبطيات والتحفظ:
مصادرة والتحفظ على أكثر من مليون لتر من السولار والبنزين عالي الأوكتان.
التحفظ على 45 طناً من المازوت الصناعي المهرب.
مصادرة آلاف أسطوانات البوتاجاز المجمعة قبل بيعها بأسعار مضاعفة في السوق السوداء.
رابعاً: السلامة القانونية والملاحقة القضائية
