رجل الأقدار في مواجهة أخونة الدولة: شهادة اللواء أحمد جمال الدين التي أنقذت الأمن القومي المصري
بقلم الكاتب الصحفي: سعيد سليم
رئيس مجلس إدارة مجموعة كيانات بوابة المحروسة
تتعرض الذاكرة الوطنية أحياناً لآفات النسيان، خاصة في ظل الهجمات الإعلامية الخارجية الممنهجة التي تحاول تزييف التاريخ القريب، وتصوير جماعات العنف الديني كحملان وديعة لم تلطخ أيديها بالدماء والخراب. ومن هنا، تكتسب الشهادات الموثقة لرجال الدولة المخلصين أهمية قصوى؛ ليس فقط لتوثيق الماضي، بل لتحصين الحاضر والمستقبل. وفي كتابه الأخير “رجل الأقدار”، فتح الأستاذ الكبير والكاتب القدير عادل حمودة خزائن الأسرار، مسجلاً شهادة للتاريخ على لسان اللواء “أحمد جمال الدين” وزير داخلية مصر الأسبق ومستشار رئيس الجمهورية الأمني الحالي، وهي الشهادة التي نُعيد قراءتها وتحليلها اليوم في “بوابة المحروسة” لأهميتها الاستراتيجية القصوى في حماية الأمن القومي.
1. شفرة اللحظات الأخيرة: من النجاة إلى مواجهة الإعصار
تبدأ القصة من كواليس شديدة التعقيد في نوفمبر 2011، حين تلقى اللواء المحترف أحمد جمال الدين رسالة هاتفية غامضة مفادها: “ستتلقى تكليفا لا ترفضه”. بذكائه الأمني، فك الشفرة وتوقع اختياره وزيراً للداخلية في حكومة الدكتور كمال الجنزوري عقب تنحي الرئيس مبارك.
لكن الأقدار تبدلت في اللحظات الأخيرة ليقع الاختيار على اللواء محمد إبراهيم يوسف، وهنا سجد “جمال الدين” لله شكراً. لم يكن الشكر هروباً من المسؤولية، بل إدراكاً لثقل المهمة في وقت كانت الفوضى والفتنة تتبارى على خراب البلاد، وفي ظل ظرف أمني بالغ الحرج يقبع فيه 7 من مساعدي الوزير في السجن و7 من مديري الأمن قيد المحاكمة. غير أن القدر ساق جمال الدين ليتولى الحقيبة الوزارية لاحقاً في أول حكومة إخوانية شكلها الدكتور هشام قنديل، ليبدأ معركة حقيقية من داخل مكتبه لحماية هوية الوطن وسلطة القانون.
2. كواليس الصدام: الضباط الملتحون وميليشيات الاتحادية
أولى الأزمات التي كانت تنتظر الوزير الجديد على باب مكتبه تمثلت في ملف “الضباط الملتحين” وتظاهر 3 آلاف سلفي ضده في ميدان عابدين بقيادة وزير الأوقاف آنذاك الدكتور طلعت سالم، لكن رد الوزير كان حاسماً بعبارته الشهيرة: “لا تسألوا فيهم”. لقد كان جمال الدين يتحرك وفق تقارير استقصائية سرية وموثوقة أجراها رجاله لقياس الاتجاهات الأيديولوجية في ميدان التحرير، مؤكدة أن حجم الإخوان الفعلي لا يزيد عن 800 عضو وسط مئات الآلاف من الشباب الثائر عفوياً.
وجاءت نقطة التحول الكبرى في 22 نوفمبر 2012، حين أصدر محمد مرسي إعلانه الدستوري الاستبدادي الذي حصن قراراته من الطعن، وأقال النائب العام المستشار عبد المجيد محمود. وفي أعقاب اعتصام شباب يناير أمام قصر الاتحادية، ونجاح الأمن في التفاهم معهم للانسحاب طواعية ومتبقي 12 خيمة فقط في الجهة الأخرى من الطريق وُعد بفكها صباحاً، اعتبرت الجماعة ذلك تواطؤاً من الشرطة. وهنا تحرك التنظيم السري المسلح، واقتحمت ميليشياتهم خيام المعتصمين السلميين بـ “الميكروباصات”، ليمارسوا سحلاً وضرباً وكسراً للعظام بقسوة، أسقطت كل دعاوى السلمية الزائفة للجماعة.
3. اختراق الحدود: ممثلو الحرس الثوري وسياسة الرئاسة المشبوهة
لم تقف المؤامرة عند حدود العنف الداخلي، بل امتدت لتستهدف “أخونة الدولة” بدءاً من رئاسة الجمهورية وصولاً لأصغر وحدة محلية، وكانت وزارتا الداخلية والثقافة الأكثر استهدافاً لبث أفكار التنظيم وتحطيم الهوية المدنية لمصر.
وتكشف شهادة اللواء أحمد جمال الدين للكاتب عادل حمودة عن معلومات استخباراتية بالغة الخطورة وصلت للوزارة تؤكد وجود ممثلين عن الحرس الثوري الإيراني (تابع لـ فيلق القدس بقيادة قاسم سليماني) التقوا بأعضاء مكتب الإرشاد لتقديم خبراتهم في تحويل السطوة المدنية إلى دولة دينية، وهو تحرك تم الترتيب له عقب لقاءات مرسي مع أحمدي نجاد في طهران والقاهرة.
ولم يكن هذا الاختراق الإيراني وحيداً، بل رصد الأمن واقعة اهتزت لها الأركان؛ حيث ضُبطت سيارة تابعة لرئاسة الجمهورية عند مدخل مدينة العريش يستقلها محامٍ ينتمي لتنظيم الجهاد. وعند مواجهة مدير مكتب الرئيس أحمد عبد العاطي، ادعى الجهل بالموضوع، ليتبين لاحقاً أن السيارة خرجت بأمر مباشر من رئيس الديوان محمد رفاعة الطهطاوي ليلتقي المحامي بشخص يدعى “أبو منير” في الشيخ زويد؛ وهو مؤسس تنظيم “أكناف بيت المقدس” الذي تحول لاحقاً لـ “أنصار بيت المقدس” ثم أعلن الولاء لداعش تحت مسمى “ولاية سيناء”، بمشاركة عناصر سورية متسللة، لتدرك الأجهزة الأمنية مبكراً أن مخطط تدمير العراق يُراد تكراره على أرض مصر.
إن قراءة هذه الشهادة الكاملة والموثقة في كتاب “رجل الأقدار” ليست مجرد سرد للتاريخ، بل هي جرس إنذار دائم لإنعاش الذاكرة الوطنية، والتأكيد على أن حماية الأمن القومي وحوكمة مؤسسات الدولة هي خط الدفاع الأول عن بقاء مصر مدنية شامخة.
