
(رئيس مجلس إدارة مجموعة كيانات بوابة المحروسة – ضمن مشروع بوابة المحروسة 2030)
في تاريخ الدعوة الإسلامية، تظل لغة السلوك والمواقف العملية أبلغ بكثير من لغة المواعظ والخطب الرنانة. وحينما نتأمل السيرة الذاتية لرمز الفكر والوسطية، فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، نجد أنفسنا أمام نموذج حي ومبهر لتأثير “أدب الإسلام” وعفته في قلوب الغربيين، وكيف يمكن للمسلم أن يكون سفيراً حقيقياً لدينه وصورة مضيئة لقيمه النبيلة دون أن ينطق بكلمة دعوية واحدة.
هذه القصة الإنسانية الملهمة تعود بنا إلى سبعينيات القرن الماضي، وتحديداً إلى باريس، حيث كان الطالب الأزهري الشاب “أحمد الطيب” يخطو خطواته العلمية الأولى في جامعة السوربون العريقة للحصول على درجة الدكتوراه.
أولاً: رحلة السوربون.. رؤيا صالحة ورسالة عن “أبو البركات البغدادي”
لم تكن رحلة الإمام الأكبر إلى فرنسا مجرد بعثة علمية تقليدية، بل كانت بتدبير إلهي بدا واضحاً منذ اللحظة الأولى للاستعداد للسفر:
البر بالوالد واستشارته: جرت عادة الدكتور أحمد الطيب على توقير أسرته واحترامها احتراماً جماً، وخاصة والده (رحمه الله) وشقيقه الأكبر الشيخ محمد. وعندما تقرر سفره للحصول على الدكتوراه من السوربون، لم يخطُ خطوة واحدة قبل الذهاب لوالده واستئذانه، حيث كان يلقبه دائماً بـ “أبي وأستاذي”.
الرؤيا الصالحة والقرار: عندما استأذن والده في السفر، طلب منه الوالد مهلة حتى الصباح الباكر، وفي الصباح نادى عليه قائلاً: “لقد رأيت لك رؤيا صالحة في المنام.. توكل على الله وسافر”، فكانت هذه الرؤيا بمثابة الضوء الأخضر لرحلة غيرت حياة الإمام والعديد ممن حوله.
أطروحة الدكتوراه الفريدة: في السوربون، انكب الباحث الشاب على دراسة فلسفة فريدة، حيث كانت رسالته العلمية تدور حول الفيلسوف الطبيب واللاهوتي “أبو البركات البغدادي”، وهو الفيلسوف اليهودي الذي أشهر إسلامه بعد دراسة وتعمق طويل في الفلسفة الإسلامية.
ثانياً: غرفة الحي اللاتيني وجيران من أسرة فرنسية يهودية
في قلب العاصمة الفرنسية، سكن الشيخ الشاب في غرفة بسيطة بالحي اللاتيني الشهير بباريس. وكانت جيرانه في السكن أسرة فرنسية تدين باليهودية. ومع الأيام، بدأت تنشأ بين الشيخ وجيرانه علاقة جيرة طيبة يسودها الاحترام المتبادل، فكانوا يجتمعون تارة في غرفته وتارة في بيتهم.
وعلى مدار عشرة أشهر كاملة قضاها الإمام الأكبر في هذا السكن، لم يتحدث معهم يوماً عن مقارنة الأديان، ولم يعرض عليهم الدخول في الإسلام، بل اكتفى تماماً بأمر واحد: أن يعيش بأخلاق دينه الحقيقية.
ثالثاً: عفة العين والترفع عن الصغائر.. السلوك الذي أبهر الغرب
يروي الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب تفاصيل هذه التجربة الاستثنائية بصدق وتواضع جم، مؤكداً أنه التزم فقط بالآداب الإسلامية وحقوق الضيافة والأمانة، ويقول:
”كنت أثناء العبور من أمام غرفهم لا يتطرق نظري إلى حجرات النوم المفتوحة على مصراعيها، وكنت أمر عليهم في طريقي إلى حجرتي ولم يحدث مرة واحدة أن جرحتهم بنظرة واحدة على مدى عشرة أشهر أقمتها معهم.”
هذا السلوك الوقور لفت انتباه الأسرة الفرنسية بشدة، فلاحظوا فيه تفاصيل لم يعتادوها في مجتمعهم المفتوح:
العفة والاستقامة: انبهرت الأسرة من أن الشاب الأزهري لم يُدخل فتاة واحدة إلى غرفته طوال فترة إقامته، رغم أن ذلك كان أمراً مألوفاً ومتاحاً من الناحية الاجتماعية هناك.
الالتزام بالعبادة والابتعاد عن مواطن الشبهات: لاحظت الأسرة ابتعاده التام عن السهرات الصاخبة (حتى في أعياد الكريسماس)، وحرصه على قراءة القرآن في الصباح الباكر، وامتناعه التام عن شرب الخمر أو الجلوس على مائدة تُدار عليها الخمور، وكل ذلك في أدب جم ودون أن يوجه لهم أي لوم أو نهر.
الاحترام المتبادل الغائب: تأثراً بهذا السلوك الراقي، بدأت ربة المنزل (التي لم تكن مسلمة آنذاك) تضع غطاءً على رأسها احتراماً له ولحضوره كلما تواجد في المكان، تقديراً لحيائه وعفته.
رابعاً: المفاجأة الكبرى في القاهرة وإشهار الإسلام
لم تنتهِ القصة بمجرد حصول الدكتور أحمد الطيب على شهادة الدكتوراه وعودته إلى أرض الوطن؛ بل إن البذور الأخلاقية التي زرعها في صمت أثمرت بسرعة مذهلة:
الزيارة غير المتوقعة: بعد شهرين فقط من عودة الإمام الأكبر إلى القاهرة، فوجئ بالأسرة الفرنسية بأكملها تقرع بابه في مصر.
إعلان الشهادة: لم يأتِ الجيران القدامى للسياحة، بل جاءوا خصيصاً ليعلنوا إسلامهم على يدي هذا الشاب الذي رأوا فيه “الإسلام الحي يمشي على الأرض”.
شهادة الإمام الصادقة: يعترف الإمام الأكبر قائلاً بكل أمانة وتواضع: “أعترف أنني ما دعوتهم إلى الإسلام.. ولكني فقط حافظت على واجبات ديني كاملة من الأمانة ومن أني ضيف عليهم”.




