
لا يمكن للمجتمعات أن تستقيم، ولا للعلاقات الإنسانية أن تثمر، إذا ما أصيبت بنيتها الأخلاقية بداء “التخابث” وغياب المصداقية. حين يغدو الوضوح عملة نادرة، والصراحة مغامرة غير مأمونة العواقب، نصبح أمام ظاهرة تستدعي التأمل والنقد، بل وتستوجب دّق ناقوس الخطر للشخصية الإنسانية المعاصرة.
إن المتأمل للمشهد الاجتماعي اليوم يلحظ، بأسف شديد، حالة من الضبابية المتعمدة في التعاملات اليومية. لقـد تراجعت الوجوه الحقيقية لتفسح المجال أمام ثقافة “الكل يتخابث، والكل يغيب عنه الوضوح”. هذه الحالة ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج مباشر لسيادة النزعة النفعية الفردية، حيث أصبح شعار “الكل يعمل لمصلحته الذاتية” هو المحرك الأساسي، والبوصلة التي توجّه الصداقات، والروابط المهنية، وحتى الأسرية في بعض الأحيان.
هذا التكالب على المصالح الشخصية ولّد حالة عارمة من الشك المتبادل؛ فالخوف بات سيد الموقف، و”الكل خائف من الكل”. وعندما يستوطن الخوف في النفوس، يختفي الأمان، ويتحول الحوار الإنساني إلى مناورة أشبه بقطع الشطرنج، يبحث فيها كل طرف عن كسب جولة أو تحقيق مغنم على حساب الآخر، دون أدنى اعتداد بالقيم الأخلاقية الرفيعة التي بنيت عليها الحضارة الإنسانية.
أما المظهر الأكثر فجاجة في هذا السياق، فهو ظاهرة “ركوب الموجة” والتملق الاجتماعي. لقد بات الكثيرون يفتقرون إلى شجاعة اتخاذ موقف مستقل، مفضلين السير مع القطيع، وتبني آراء ومواقف لا تشبههم، فقط لأنها تخدم مصالحهم المؤقتة أو تمنحهم حضوراً زائفاً تحت الأضواء.
إن هذه القراءة التشخيصية الواقعية، برغم ما تحمله من مرارة، ليست دعوة لليأس، بل هي خطوة أولى نحو امتلاك الوعي والتمييز. فالإنسان الفطن هو من يستطيع، عبر تجاربه وخبراته المتراكمة، أن يفكك هذه البيئة المعقدة؛ ومن خلال رصد هؤلاء وتصرفاتهم، يستطيع أن “يعرف كل شيء عن الجميع”، ويصبح على دراية كاملة بمفاتيح الشخصيات وخباياها.
إن قطار الحياة ماضٍ، وفصول الرواية البشرية لم تنتهِ بعد. والأيام كفيلة بأن تظهر الحقائق كاملة غير منقوصة، “فالبقية تأتي على الجميع”، والتاريخ يعلمنا دائمًا أن المواقف المصطنعة تتبخر كالدخان، والأقنعة ومهما أُحكمت صناعتها لا بد أن تسقط وتتفتت أمام شمس الحقيقة والوضوح.
لن يبقَ في سجل الوجود إلا الأثر الطيب، والكلمة الصادقة، والنوايا المخلصة. أما من عاش بالمناورة والتخابث، فسيجد نفسه في النهاية وحيداً، عارياً من أي احترام حقيقي. فلنتمسك بوضوحنا وصراحتنا، فهي إرثنا الأنقى في هذا العالم الصاخب.
