الإدارة بالمساحيق ووهم «صفر مشاكل».. الدكتور محمد سعد يكتب لـ «بوابة المحروسة» عن فخ التستر وجراحة الاعتراف بالخطأ
مقال فكري وإداري بقلم: د. محمد سعد محمد
الخبير التربوي المعروف
ومدير مديرية التربية والتعليم بالإسكندرية الأسبق
(تقدير وتقديم: سعيد سليم –
رئيس مجلس إدارة بوابة المحروسة)
«أنا لا أكذب… ولكني أتجمل!».. لعلها واحدة من أشهر العبارات السينمائية الدارجة، ولكنها حينما تنتقل من شاشات الفن إلى دهاليز الإدارة والعمل العام، تحول الواقع إلى أزمة صامتة مهددة بالانفجار. إن أخطر أنواع الكذب على الإطلاق ليس ذلك الذي يُقال صراحة بكلمات فجة ومكشوفة، بل هو ذلك الذي يُمارس في العلن وتحت لافتة براقة ومهذبة تُسمى “تجميل الحقيقة”؛ فالإدارة بالمساحيق هي العدو الأول لأي بناء وطني أو مؤسسي حقيقي يريد النهوض والوقوف على أرضية صلبة.
وفي هذا المقال التحليلي الموسع، نضع المنظومة الإدارية والتربوية أمام مرآة الحقيقة، لنفكك ظاهرة الإنكار، ونرسم الحد الفاصل بين المسؤول الشجاع الذي يواجه التحديات، والمسؤول الواهم الذي يعيش في جلباب “التقارير المزيفة”.
وهم «صفر مشاكل».. صناعة الفضيلة الإدارية في التقارير الورقية
إن الآفة الكبرى التي تعاني منها بعض مساحات العمل التنفيذي تتمثل في تعامل بعض المسؤولين مع المشكلات الطارئة وكأنها “فضيحة” يجب إخفاؤها ومواراتها عن الأنظار، لا باعتبارها “أزمة” موضوعية وطبيعية يجب مواجهتها وحلها بقوة القانون والمنطق. فإذا ما ظهرت مشكلة أو قصور داخل نطاق مسؤوليتهم الجغرافية أو الإدارية، تجدهم وقد انشغلوا بكل طاقتهم بنفيها، أو التقليل من شأنها، أو تبريرها بالحق والباطل؛ والهدف الوحيد من كل هذا الضجيج هو أن يخرج المشهد أمام الرأي العام وأمام القيادة العليا بصورة لامعة توحي بأن كل شيء على ما يرام، وأن المياه هادئة والرياح مواتية.
وهنا تحديداً يبرز الوهم الكبير والقاتل.. وهم “صفر مشاكل”.
فالبعض من مسؤولي “الشو والتصوير الميداني الزائف” يريد أن يقدم نفسه للمجتمع ولصانع القرار على أنه المسؤول الخارق الذي لا توجد في إدارته أي أخطاء، ولا تقع في نطاقه أي أزمات، ولا تظهر أمامه أو أمام حاشيته أي معوقات. والحقيقة العلمية والواقعية تؤكد أن المؤسسة التي لا توجد بها مشكلات لا وجود لها إلا في الدفاتر الخيالية والتقارير المزيفة الصادرة عن مكاتب “مسحي الجوخ”. أما على أرض الواقع الفعلي، فكل عمل إنساني يواجه تحديات، وكل منظومة حية بها نقاط قوة ونقاط ضعف، والتطوير لا يبدأ إلا من محطة الاعتراف بوجود الخلل.
الشجاعة الإدارية.. من الإنكار المهذب إلى إرادة الإصلاح
بناءً على ما تقدم، فإن المسؤول الناجح والقائد الحقيقي ليس هو من يدّعي كذباً أن لديه “صفر مشاكل” ويغلق مكتبه على الكوارث المتراكمة، وإنما هو من يمتلك الشجاعة الكافية والجرأة المهنية ليقف أمام الجميع ويقول: “نعم، لدينا مشكلة في هذا القطاع، وهذه هي خطوات وجداول حلها على أرض الطبيعة”.
إن إنكار الواقع لن يغير من حقيقته شيئاً، وإخفاء الخطأ خلف جدران المكاتب لن يمحوه من ذاكرة الشارع، وتجميل الحقيقة بالمبررات الواهية لن يحولها إلى حقيقة أخرى؛ بل على العكس تماماً، فالأخطر من الخطأ نفسه هو التستر عليه؛ لأن من يتستر على المشكلة ليس طرفاً محايداً فيها كما يتوهم، بل يصبح شريكاً أصيلاً وجزءاً لا يتجزأ منها. فمن يعلم بالحقيقة ثم يتعمد إخفاءها، أو يرى الخطأ بعينيه ثم ينكره أمام كاميرات التصوير، أو يكتب في تقاريره الرسمية غير ما حدث حفاظاً على “صورة زائفة ولقطة مؤقتة”، فإنه لا يحمي المؤسسة ولا يحمي الدولة كما يظن، بل يضرها ضرراً بالغاً ويشارك بوعي أو بغير وعي في تعميق أزمتها وتجريف قيم الشفافية.
فالخطأ في العمل هو مسؤولية صاحبه المقصر، ومكان حله هو المحاسبة والتقويم.. أما التستر عليه فمسؤولية تضامنية وجريمة تقع على عاتق كل من شارك في إخفائه وعرقلة وصول يد الإصلاح إليه.
الختام والوعي الوطني المستدام:
إن المؤسسات القوية، والدول الشامخة القائمة على أسس متينة، لا تخاف أبداً من الاعتراف بأخطائها أو مواجهة عيوبها؛ بل تخاف وتتحسب من ذلك المسؤول التقليدي الذي يخبر القيادة كل يوم وكل ساعة أن الأمور ممتازة، وأن كل شيء بخير، وأن لديه “صفر مشاكل”، بينما المشكلات الحقيقية والنفايات تتراكم في صمت مطبق خلف الستار حتى تأتي اللحظة التي تنفجر فيها في وجه الجميع وتحدث الكارثة الجنائية أو الإدارية.
الحقائق المجردة لا تحتاج إلى مساحيق تجميل أو تبريرات إعلامية هشّة، بل تحتاج إلى إرادة سياسية وتنفيذية حقيقية للإصلاح. والاعتراف بالمشكلة هو البداية الحقيقية والوحيدة للحل، أما إنكارها والالتفاف حولها فليس إلا اسماً مهذباً لـ “الكذب” الذي لا يليق بدولة المؤسسات.
وكما نؤكد دائماً من فوق منبر “بوابة المحروسة” تعزيزاً لدور الصحافة الوطنية الشريفة: «يا سادة.. هذه الدولة مش هتقوم، هذه الدولة قامت بالفعل واقفه على رجليها كويس قوي»؛ بفضل وعي أبنائها، وقوة قادتها، وشجاعة علمائها وخبرائها – كالدكتور محمد سعد – الذين لا يخشون في الحق لومة لائم، ويضعون مبضع الجراح على موضع الألم لعلاجه لا لتجميله.. وإن غداً لناظره لقريب.
تنويه تحريري وقانوني:
يعبر هذا المقال عن الرؤية الفكرية والإدارية والتربوية العامة لكاتبه، ويأتي في إطار طرح الأفكار الفلسفية لتطوير نظم الإدارة العامة والتعليمية في مصر، وهو مجرد بطبعه ولا يقصد به إسقاطاً على شخصية معينة بذاتها في الوقت الراهن؛ وإن تواردت الخواطر أو وجد تشابه في الممارسات، فهو من قبيل الصدفة البريئة، فالهدف دائماً هو المصلحة العليا للوطن وبناء الإنسان.
