الرئيسية مقالات الرأى بين بناء العقل وبناء الضمير: ماذا ننتظر من التربية الدينية؟
مقالات الرأى

بين بناء العقل وبناء الضمير: ماذا ننتظر من التربية الدينية؟

Share
15 عدد المشاهدات
Share

بين بناء العقل وبناء الضمير: ماذا ننتظر من التربية الدينية؟

(قراءة تربوية في قرار أثار فيضا من الجدل)

بقلم / أ.د. الهلالي الشربيني الهلالي
أستاذ التخطيط التربوي بجامعة المنصورة
وزير التربية والتعليم والتعليم الفني الأسبق
الاحد ٢١ / ٦ / ٢٠٢٦
بوابة المحروسة الاسكندرية

أثار القرار الخاص باعتبار مادة التربية الدينية مادةً أساسية يُشترط للنجاح فيها حصول الطالب على نسبة 70% من درجاتها، مع عدم إضافتها إلى المجموع الكلي، نقاشًا واسعًا في الأوساط التعليمية والتربوية والمجتمعية. وقد انقسمت الآراء بين من رأى في القرار خطوة مهمة لتعزيز القيم والأخلاق والهوية الثقافية والدينية لدى الطلاب، وبين من اعتبره عبئًا إضافيًا على العملية التعليمية أو خروجًا عن فلسفة التقويم التربوي الحديثة.

ويكتسب هذا الجدل أهمية خاصة؛ لأن التربية الدينية ليست مجرد مادة دراسية تقليدية، بل ترتبط بتكوين الشخصية وبناء منظومة القيم والسلوكيات التي يحتاجها الفرد والمجتمع على حد سواء. ومن ثم، فإن مناقشة القرار ينبغي أن تتجاوز الانطباعات الشخصية أو الأولية لتتناول أبعاده التربوية والفلسفية والاجتماعية بصورة متوازنة.

وعلى مدار عقود طويلة، كانت مادة التربية الدينية تُدرَّس في المدارس المصرية باعتبارها مادة أساسية، إلا أن درجاتها لم تكن تُضاف إلى المجموع الكلي للطالب، وكان تعامل كثير من الطلاب وأولياء الأمور معها باعتبارها مادة ذات تأثير محدود على المسار الدراسي مقارنة بالمواد الأخرى المؤثرة في المجموع، الأمر الذي ترتب عليه في بعض الأحيان انخفاض مستوى الاهتمام بالمادة لدى قطاع من الطلاب، فضلاً عن تحولها في بعض المدارس إلى مادة هامشية من حيث الجهد المبذول في تدريسها أو الاهتمام بها.

أما في الوضع الحالي، فقد تم التأكيد على أن التربية الدينية مادة نجاح ورسوب، مع اشتراط حصول الطالب على حد أدنى محدد للنجاح فيها، رغم استمرار عدم احتساب درجاتها ضمن المجموع الكلي. ويعكس هذا التوجه رغبة الدولة في تعزيز مكانة المادة وإبراز أهميتها التربوية والأخلاقية بوصفها جزءًا أصيلًا من عملية بناء الإنسان.

ويرى المؤيدون للقرار أن التربية الدينية ليست مادة تكميلية أو هامشية، وإنما تمثل أحد المكونات الأساسية لبناء شخصية الطالب، ومن ثم فإن اشتراط النجاح فيها يعيد الاعتبار لدورها التربوي ويمنع التعامل معها بوصفها مادة هامشية. هذا بالإضافة إلى أن المجتمعات الحديثة لا تحتاج فقط إلى خريجين يمتلكون المعرفة والمهارات، بل تحتاج أيضًا إلى مواطنين يتحلون بالقيم والأخلاق والمسؤولية الاجتماعية، بما يسهم في تحقيق التوازن بين بناء العقل وبناء الضمير.

والواقع أن اشتراط النجاح في المادة لا يعني تفضيلها على المواد الأخرى، وإنما يضعها في مكانتها الطبيعية ضمن منظومة التعليم، خاصة أن القرار لم يضف درجاتها إلى المجموع الكلي، وهو ما يحقق نوعًا من التوازن بين الأهمية التربوية وعدم التأثير المباشر في فرص الالتحاق بالجامعات. كما أن القرار قد يدفع المدارس إلى تطوير أساليب تدريس المادة والاهتمام بها بصورة أكبر، بما ينعكس إيجابًا على سلوك الطلاب وثقافتهم الدينية الوسطية.

وفي المقابل، يرى بعض المعارضين أن نجاح الطالب أو رسوبه ينبغي أن يرتبط أساسًا بمدى امتلاكه للمعارف والمهارات التي تؤهله للانتقال إلى مرحلة تعليمية أعلى، وأن جعل مادة لا تدخل في المجموع شرطًا للنجاح قد يثير تساؤلات حول العدالة في التقويم. بينما يرى بعضهم الآخر أن القيم والأخلاق لا تُكتسب بالضرورة من خلال الامتحانات التحريرية، وأن التركيز على النجاح والرسوب قد يحول المادة إلى مجال للحفظ والاستظهار بدلًا من الفهم والتطبيق العملي. ويذهب آخرون إلى أن ارتفاع حد النجاح المطلوب قد يؤدي إلى زيادة الضغوط النفسية على الطلاب وأولياء الأمور.

وبين هؤلاء وأولئك يبرز السؤال الذي يطرح نفسه: هل من الممكن قياس التدين أو الالتزام القيمي عبر اختبار ورقي؟ أم أن المطلوب هو تطوير منظومة تربوية متكاملة تترجم القيم إلى سلوك وممارسات يومية داخل المدرسة وخارجها؟

ومن منظور تربوي محايد، أرى أن القضية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها صراعًا بين مؤيد ومعارض، بل باعتبارها فرصة لإعادة التفكير في وظيفة التربية الدينية داخل المدرسة. فإذا كانت فلسفة القرار تقوم على تعزيز القيم والأخلاق والهوية الوطنية، فإن هذا هدف تربوي نبيل يتفق مع الاتجاهات الحديثة التي تؤكد أهمية التربية القيمية إلى جانب التربية المعرفية. غير أن تحقيق هذا الهدف لا يتوقف على اشتراط النجاح في المادة وحده، بل يتطلب تطوير المناهج وأساليب التدريس والتقويم.

ضيف تعليقك وقول رأيك
Share
كتب عبر
saidslem

موقع إخبارى متجدد شامل يهتم بالحدث والوصول الى حقيقة الأخبار المتلاحقة والموثقة بالمستندات الدامغة . ينشر الموقع الأخبار السياسية والأقتصادية والتعليمية والصحية والثقافية والمرإة والطفل والدين والدنيا والرياضة والحوادث مع الألتزام الكامل بميثاق الشرف الصحفى والضوابط المنظمة كاملة لعمل المواقع الألكترونية.

مصوغات إيهاب كرموز

Ehab-Gold

مواقيت الصلاة

الحقيبه الاقتصاديه أ/ سعيد

بوابة المحروسة علي فيس بوك

أسعار العملات اليوم

اقرأ يضآ في بوابة المحروسة

تمكين المرأة.. ضرورة حتمية لتقدم الأمم

بقلم: د. إيمان شرف بوابة المحروسة الاسكندرية لم يعد الحديث عن تمكين...

النائب طاهر فتح الباب :

اتوبيسات .. لنقل الملاحظين الى لجان الثانوية العامة ادارات المنيا التسعة كتب...

{ من معارض السيارات إلى الحماية غير الشرعية .. ماذا كشف ملف صبري نخنوخ؟ }

بقلم اللواء عبد الحميد خيرت وكيل الادارة العامة للامن الوطني السابق بوابة...

سيكولوجية الأقنعة ومرض “المصلحة”.. تفكيك شفرة العلاقات في مجتمعاتنا المعاصرة

​بقلم: سعيد سليم ​لا يمكن للمجتمعات أن تستقيم، ولا للعلاقات الإنسانية أن...