
بينما تنشغل قاعات الاحتفالات بتوزيع شهادات التكريم ودروع الوجاهة، يواجه آلاف المعلمين المحالين إلى التقاعد أزمة معيشية خانقة بسبب تأخر صرف مستحقاتهم المالية. مفارقة صارخة تطرح علامات استفهام كبرى حول دور النقابة، وغياب النقيب العام، وجدوى شعارات التكريم لقطاع واسع أفنى عمره في بناء عقول الأمة، ليجد نفسه في النهاية يصارع من أجل قوط يومه.
احتفالات الوجاهة وصدمة الواقع: “ناس هايصة وناس لايصة”
لا يمكن للمتابع للمشهد التعليمي والنقابي إلا أن يلحظ تلك الفجوة العمومية؛ مشهدان متناقضان يعكسان أزمة حقيقية في ترتيب الأولويات:
المشهد الأول: ندوات واحتفالات صاخبة، تُوزع فيها الهدايا التذكارية والدروع اللامعة، وتُنفق فيها الميزانيات على مظاهر احتفالية لا تسمن ولا تغني من جوع بالنسبة للمواطن المطالب بأعباء الحياة.
المشهد الثاني: طوابير من المعلمين والعاملين بالتربية والتعليم، ممن خرجوا للمعاش، ينتظرون منذ أشهر طويلة صرف فتات مستحقاتهم، مواجهين غلاء المعيشة بجيوب فارغة، وكأن لسان حالهم يقول: “ما قيمة الدرع والشهادة إن كان المعلم لا يجد ثمن دواء أو متطلبات منزل؟”.
لجان تسيير الأعمال وغياب الدور النقابي الحقيقي
تتجه أصابع اللوم مباشرة إلى الهياكل النقابية الحالية، التي يصفها المتضررون بأنها تحولت إلى مجرد “لجان لتسيير الأعمال” تفتقر إلى الصلاحيات أو الإرادة الحقيقية لانتزاع حقوق الأعضاء.
وفي ظل هذا التخبط، يبرز التساؤل القانوني والمهني: أين هو النقيب العام من هذه المعاناة؟ إن سياسة “أذن من طين وأذن من عجين” وتجاهل الصرخات المستمرة للمتقاعدين، لا تساهم إلا في تعميق الفجوة وفقدان الثقة في الدور الحمائي الذي أُنشئت النقابات من أجله أساساً.
”العمل النقابي ليس وجاهة اجتماعية أو حضوراً في الصفوف الأولى للاحتفالات، بل هو عقيدة دفاع أولى عن حقوق ومستحقات العاملين، وخاصة أولئك الذين تركوا الخدمة وأصبحوا بلا ظهير.”
صرخة الضمير: كفى تعاملاً بمنطق “خيل الحكومة”
إن تكرار مشهد تجاهل المتقاعدين في قطاع التربية والتعليم يعيد إلى الأذهان ذات المخاوف الإنسانية؛ هل أصبحت مكافأة نهاية الخدمة لمن ربّى أجيالاً هي الإهمال والتهميش؟ إن التخلص المعنوي من طاقات المعلمين وخبراتهم بعد التقاعد، وتركهم نهباً لتأخير المعاشات، هو بمثابة رصاصة رحمة تُطلق على كرامة المعلم المصري.
نحو حل جذري وقانوني للأزمة
إن صياغة هذا الواقع المرير لا تهدف إلى النقد لمجرد النقد، بل هي دعوة عاجلة ومشروعة إلى:
جدولة فورية وشفافة: لإنهاء أزمة المستحقات المتأخرة لجميع معلمي وموظفي التربية والتعليم المحالين للمعاش.
إعادة تفعيل المساءلة النقابية: لضمان توجيه موارد النقابة لصالح صندوق المعاشات بدلاً من المصاريف النثرية والاحتفالية.
فتح قنوات حوار حقيقية: تنزل فيها القيادات النقابية من برجها العاجي للاستماع إلى أصحاب الحقوق وحل مشكلاتهم بشكل ملموس.
