
فريق عمل بوابه المحروسه الاسكندريه ضمن مشروع بوابة المحروسة 2030)
في دروب الحياة المزدحمة بالصراعات والضغوط، كثيراً ما نجد أنفسنا نقع في فخ العطاء غير المشروط؛ فنستنزف مشاعرنا، وصحتنا، وعافيتنا النفسية لإنارة دروب أشخاص لا يرون في هذا النور سوى حق مكتسب وضمان أبدي مجاني. وحين ينطفئ وهجنا تماماً، نفاجأ بصمت مطبق منهم، وكأن تضحياتنا كانت واجباً يومياً لا يستحق حتى كلمة شكر.
من هذا المنطلق الاجتماعي والإنساني، يضع الكاتب والمفكر القدير د. سمير المصري يده على الجرح في مقاله المتميز “صباح مصري”، مقدماً دستوراً لحفظ كرامة النفس واستعادة توازن العلاقات الإنسانية تحت شعار صريح وحاسم: “اللي ما يعرفش قيمتك.. احرمه منك”.
أولاً: عندما يتحول العطاء إلى استنزاف.. فلسفة “الشمعة المنطفئة”
يصف د. سمير المصري ببراعة بالغة تلك الحالة النفسية التي يمر بها الشخص المعطاء في العلاقات؛ حيث يتحول من ركيزة أساسية للأمان والاهتمام إلى مجرد أداة مستهلكة:
الاعتياد القاتل: المشكلة الكبرى في العلاقات غير المتكافئة لا تكمن في العطاء ذاته، بل في اعتياد الطرف الآخر على هذا العطاء، حتى يظنه مجانياً ومتاحاً بضمان أبدي لا ينفد.
الخلل في ميزان المشاعر: الاستمرار في بذل المجهود والتفاصيل الدقيقة لشخص يقابل كل ذلك بالبرود والإهمال والاستسهال هو إهدار حقيقي للكرامة والقيمة التي كرم الله بها الإنسان.
الانطفاء الصامت: عندما تنطفئ روح الشخص المعطاء، نادراً ما يكلف الطرف المعتاد على الأخذ نفسه عناء السؤال: “أنت انطفيت ليه؟”.
ثانياً: القاعدة الذهبية للعلاقات.. الانسحاب كأسمى درجات الأدب والسلام النفسي
إن قرار الانسحاب أو الغياب في التوقيت المناسب ليس دليلاً على الضعف أو الرغبة في الانتقام، بل هو قمة النضج الفكري والنفسي:
”الغياب هنا لا يكون وسيلة للانتقام أو الرغبة في الأذى، بل هو أسمى درجات الأدب والسلام النفسي مع الذات.”
— د. سمير المصري
حين تدرك أن مكانتك لم تعد كما كانت، أو أن عطاءك يُقابل بالاستخفاف، يصبح الحرمان من وجودك هو الرد الأبلغ والأكثر وقاراً. إنه ليس قسوة، بل هو الخطوة العملية الأولى لإلزام الآخرين بوضعك في المكانة اللائقة التي تستحقها، أو الرحيل الأبدي الذي يحفظ كرامتك وهيبتك النفسية.
ثالثاً: قانون الطبيعة.. كيف يعيد الغياب الهادئ توازن القوى؟
الانسحاب الصامت والوقور يعمل كـ “ميزان طبيعي” يعيد صياغة العلاقات ويكشف الحقائق العارية:
مواجهة الفراغ المرعب: عندما تسحب نفسك بهدوء ومن دون جلبة أو عتاب مستمر، تترك للطرف الآخر مقعداً فارغاً ومساحة موحشة لتذوق طعم الحياة بدونك بعد أن كان يضمن وجودك للأبد.
استفاقة القلوب الغافلة: الغياب في كثير من الأحيان يكون هو الدواء الأكثر فعالية لإيقاظ المشاعر الراكدة؛ فالإنسان بطبعه لا يدرك قيمة النعمة إلا بعد زوالها.
الاختبار الحاسم: عند سحب الدعم المجاني، إما أن يستفيق الطرف الآخر ويعرف فداحة خطئه في حقك ويقدر قيمتك، أو تتأكد أنت بشكل قاطع أن مكانك الأصلي لم يكن هناك منذ البداية.. وفي كلا الحالتين، أنت الفائز الحقيقي بكرامتك وسلامك الداخلي.
رابعاً: خريطة الطريق لاستعادة كرامتك النفسية في 4 خطوات عملية
يقدم لنا مقال “صباح مصري” خطوات عملية ومنهجية واضحة للبدء الفوري في حماية أنفسنا واستعادة هيبتنا النفسية:
التوقف عن المبادرة الفورية: امنع نفسك تماماً عن الاتصال التلقائي، أو السؤال المستمر، واجعل خطواتك متزنة ومتناسبة مع ردود أفعالهم الفعلية لا وعودهم الواهية.
سحب الدعم المجاني المستمر: بطل تقديم التنازلات والتضحيات الكبرى غير المطلوبة منك، واجعل من اليوم عطاءك مشروطاً بالتقدير والاحترام المتبادل الملموس.
الانسحاب بهدوء وبدون عتاب: ابتعد بوقار تام وصمت بليغ دون الدخول في معارك كلامية، أو ملامة مستمرة؛ فالغياب المفاجئ الهادئ أشد تأثيراً وأبلغ من ألف عتاب فاتر.
التركيز الكامل على الذات: استثمر طاقتك، وصحتك، ووقتك المستردين في تطوير مهاراتك ونفسك، والاهتمام بصحتك النفسية والجسدية بدلاً من الغرق في التفكير فيمن غابوا.




