من فلسفة العطاء إلى صدمة النكران.. عندما يصبح “العسل” سبباً لاستحلاء “القرصة”!
بقلم الكاتب الصحفي: سعيد سليم
رئيس مجلس إدارة
مجموعة كيانات بوابة المحروسة
في فلسفة العلاقات الإنسانية، يُعد العطاء الصادق والمبادرة بالخير أنقى درجات النبل البشري؛ حيث يسعى الإنسان بطبعه الفطري إلى تقديم أفضل ما لديه للمحيطين به، تماماً كما يجود النحل بأصفى قطرات العسل دون مقابل.
ولكن، في مقابل هذا النقاء، يصطدم الكثيرون أحياناً بنمط نفسي غريب، يترجم هذا العطاء بشكل مغلوط، فما إن يذوق “عسل المحبة والتسامح”، حتى يستحلي “قرصة النحل” ويمعن في استغلال الطرف المانح أو التجاوز في حقه، مدفوعاً بظن واهم بأن العطاء ضعف، وأن التسامح تنازل لا ينتهي.
في هذا المقال الإنساني عبر “بوابة المحروسة”، نغوص سوياً في أعماق هذه المعضلة الاجتماعية، ونفكك العقد النفسية وراء تحول طاقة الخير إلى مساحة للاستغلال، وكيف نحمي حدودنا النفسية دون أن نفقد إنسانيتنا.
المفارقة النفسية.. لماذا يُفسر التسامح أحياناً بأنه “حق مكتسب”؟ تبدأ الأزمة عندما يخلط البعض بين “التفهم” و”القبول المطلق بالتجاوز”.
فالشخص المعطاء الذي يبادر بتقديم الحلول ويغلف علاقاته بالود، غالباً ما يفعل ذلك من منطلق قوة نفسية ونضج أخلاقي. إلا أن الطرف المقابل، ولأسباب تتعلق بتركيبته النفسية أو نشأته، قد يرى في هذا التدفق الإنساني فرصة سانحة لرفع سقف مطالب وتجاوزات غير مشروعة.
إنها الحالة التي يتلذذ فيها البعض بـ “القرصة” بعد أن استحلوا “العسل”؛ حيث يتحول الكرم في عيونهم من ميزة تُشكر إلى “حق مكتسب” يُطالب به، ويصبح التنازل المؤقت قاعدة ثابتة لا يجوز التراجع عنها، مما يخلق علاقات سامة (Toxic Relationships) تقوم على الاستنزاف من طرف واحد.
فلسفة النحل.. الدفاع عن الخلايا واجب لا يفسد جودة العسل إذا تأملنا الطبيعة التي استوحينا منها هذا التعبير، سنجد أن النحل، برغم كونه الكائن الأكرم الذي يصنع الشفاء والحلاوة للعالم، لا يتردد للحظة واحدة في استخدام “إبرته وقرصته” لحماية خليته ونتاجه من العابثين والمستغلين.
هذه القراءة الطبيعية تمنحنا درساً إنسانياً بليغاً في صياغة العلاقات: وضع الحدود الحازمة (Healthy Boundaries): تقديم العسل لا يعني فتح الأبواب مشرعة للاستباحة؛ فالحدود النفسية هي السياج الذي يحمي كرامة الإنسان ويحافظ على طاقته للبناء.
القرصة التنبيهية: أحياناً، يكون اتخاذ موقف حازم وصارم (القرصة) ضرورة أخلاقية لإعادة الطرف الآخر إلى جادة الصواب، وتعريفه بأن للمحبة كبرياء يحميها، وأن الصمت كان حلماً وليس عجزاً.
لا تتوقف عن صناعة الخير: الدرس الأبقى هو ألا تجعل نكران البعض يدفعك لإغلاق مصنع العسل بداخل روحك، بل غيّر فقط قائمة “المستحقين”، ووجه عطاءك لمن يقدرون الوفاء.
حماية الطاقة الإنسانية.. نحو مجتمع يقدر المبادرة إن المجتمعات الراشدة هي تلك التي تبنى على قيم “المثاقفة والتبادل المشترك”؛ حيث يُقابل العطاء بالامتنان، وتُحفظ فيه كرامة المبادرين بالخير.
وإذا كان هناك من يستحلي “القرصة”، فإن دور الوعي الجمعي والتربوي الذي نتبناه هو إعادة الاعتبار لمفهوم “الشهامة الإنسانية” وتبيان أن التسامح هو قمة الشجاعة والمقدرة، وليس ضعفاً يغري بالتجاوز.
رؤيتنا في بوابة المحروسة.. الأثر وراء نقاء السريرة إننا في “بوابة المحروسة” لا نسعى من خلال طرح هذه القضايا الإنسانية اللصيقة بالواقع إلى ركوب ترند لحظي، بل نهدف إلى ترك “الأثر الدائم” والعميق في وجدان المشاهد العزيز والمتابع لكياناتنا؛ فبناء الوعي الاجتماعي وتحصين النفوس ضد الخيبات والصدمات الإنسانية هو خط الدفاع الأول لحفظ تماسك الأسرة والمجتمع.
سيبقى العسل ديدن النفوس الكريمة، وستظل “القرصة الحازمة” هي السلاح الشرعي لحماية هذا العسل من يد العابثين ونكران الجاحدين.
