
رئيس مجلس إدارة مجموعة كيانات بوابة المحروسة
من المفارقات العجيبة التي أفرزتها التحولات السياسية والاجتماعية المتلاحقة منذ أحداث ٢٥ يناير، أن مهنة “البحث عن المتاعب” — تلك المهنة المقدسة التي كانت حصناً للحقيقة ومصنعاً للوعي — قد أُقحم في أروقتها من لا صفة له، حتى تحول المشهد في كثير من الأحيان إلى ما يشبه “السوق المفتوح”. فبمجرد امتلاك هاتف محمول وصياغة كلمتين ركيكتين على منصات التواصل الاجتماعي، يخرج علينا من يلقب نفسه بـ “الإعلامي فلان” أو “الصحفي علان”، وهو لا يفقه في ألف باء المهنة شيئاً، ولا يفرق بين صياغة خبر بسيط، أو إعداد تحقيق استقصائي، أو إجراء حوار رصين مع مسؤول.
إنها مأساة “الحشائش المتسلقة” التي تحاول التطاول والالتفاف حول “الورد البلدي”. والورد البلدي هنا هم أولئك الصحفيون المرموقون والأساتذة الكبار الذين لا يتبارون في الظهور الاستعراضي، بل تتحدث عنهم مقالاتهم، وتشهد لهم تحقيقاتهم، ويفرض تاريخهم احترام الجميع.
لكن أشواك الورد البلدي صنعتها الأقدار لحمايته؛ لكي تمنع أي خائن للمهنة أو متلصص من قطفه أو تشويه نضارته.
فقاعات “التيك توك” وظاهرة الوجاهة الوهمية
إن هذا الاندفاع العشوائي نحو مقاعد الندوات والاحتفالات، مدفوعاً بمايكات وهواتف لا تقدم علماً ولا وعياً، يتشابه تماماً مع ما نراه في فوضى “التيك توك”. فلقد فتحت تلك المنصات الباب على مصراعيه لظواهر مشوهة، منحت بعض العابثين والخارجين عن قيم الدين والمجتمع والأسرة ألقاباً براقة، وسرعان ما يتهاوى هذا البريق الزائف عند أول صدام مع الواقع، لتنتهي تلك الهالات الوهمية خلف قضبان السجون، كاشفة عن عورات هذا الصعود اللحظي الخاوي.
الصحافة الحقيقية هي توارث أجيال يحترم فيها اللاحقُ السابقَ، ويقدر الشباب فيها تاريخ العظماء الذين مهدوا الطريق بالحبر والعرق والورق المطبوع. أما جيل “فقاعات الصابون” الذي نراه اليوم، فيظن أن الهيبة تُصنع بالصوت العالي وكثرة المتابعين، وهم في حقيقة الأمر يجهلون الفارق الجوهري بين أدوات الرقابة والعمل العام، تماماً كمن لا يعرف الفرق بين “الاستجواب” و”طلب الإحاطة”.
المشهد المستفز.. خلف “العدسات المستعارة” والكنيش المصنوع!
وفي غمرة هذا “السوق” العشوائي، نصادف مواقف تدعو للسخرية والأسى معاً؛ حينما تقف أمامك إحدى تلك النماذج المستفزة، بشعر “كنيش” متكلف وعدسات لاصقة مستعارة تحجب خلفها نظرة تفتقر لأي وعي أو ثقافة، لتقدم نفسها بجرأة غريبة وسط المحافل، متسائلة بنبرة خاوية عن
هويتك ومكان عملك الصحفي!
رسالة مبطنة إلى أصحاب المظاهر الزائفة:
“إن الصحافة الحقيقية يا سيدتي لا تُقاس بعدسات ملونة زُيفت بها الأبصار، ولا بمظهر “كنيش” مستورد يغطي فراغاً فكرياً رهيباً. الصحافة أصلها ‘أرشيف ورقي’ ممتد، وتاريخ حافل محفور في وجدان القراء، وحضور شرعي ينطلق من قلب نقابة الصحفيين العريقة بالقاهرة ليمتد إلى ثغور الإسكندرية. من يمتلك الأرشيف الورقي والتاريخ المهني يرتكز على أرض صلبة، أما من يرتكز على شاشة هاتف وصفحة فيسبوك، فسيظل واقفاً على قشرة موزة، سرعان ما تطيح به عند أول اختبار حقيقي للمهنية.”
كبرياء القلم وهيبة الميدان
إننا لا نتعامل مع أسماء مجردة، بل نتعامل مع شخصيات وكتابات تعبر عن قيمة صاحبها. ولن يفلح الدخلاء، مهما حشدوا من مايكات وهواتف ولقاءات مصطنعة، في سلب الورد البلدي رائحته وطابعه الأصيل.
ونحن في مجموعة كيانات بوابة المحروسة، سنظل متمسكين بهذا الكبرياء المهني، نحمي هيبة الكلمة، ونكشف المستور عن أولئك الذين أرادوا تحويل قدسية الإعلام إلى ساحة للمظهرية الكاذبة والادعاءات الفارغة، لتبقى الصحافة دائماً لأصحاب الفكر والقلم الرصين.
