
(رئيس مجلس إدارة مجموعة كيانات بوابة المحروسة – ضمن مشروع بوابة المحروسة 2030)
في كل مرة تمسك فيها بهاتفك الذكي لتصفح الإنترنت، أو تقف أمام ماكينة الصراف الآلي (ATM) لسحب أموالك وأنت مطمئن على سرية بياناتك، يجب أن تتذكر أن هناك عقلاً مصرياً فذاً يقف خلف هذه التكنولوجيا التي نستخدمها يومياً. إنه العالم المصري الأمريكي ابن محافظة بورسعيد، الدكتور محمد محمد عطا الله، العبقري المنسي الذي غير مسار البشرية في صمت، تاركاً إرثاً علمياً واقتصادياً لا يقدر بثمن.
نسلط الضوء في هذا التقرير على رحلة عالمنا الجليل، ليكون نبراساً للأجيال الشابة التي تحتاج لمعرفة عظمائها الحقيقيين.
أولاً: من بورسعيد إلى “معامل بيل”.. رحلة عالم استثنائي
لم تكن انطلاقة الدكتور محمد عطا الله عادية؛ فقد تأسس علمياً بقوة في مصر قبل أن ينطلق للعالمية، مسطراً قصة نجاح ملهمة:
النشأة والتأسيس: ولد في مدينة بورسعيد الباسلة، وتخرج في كلية العلوم بجامعة القاهرة (قسم الكيمياء الفيزيائية).
الانطلاق لأمريكا: سافر لاحقاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليحصل على درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية من جامعة “بوردو” (Purdue) العريقة بولاية إنديانا.
العمل في معامل بيل (Bell Labs): التحق بواحدة من أعظم المؤسسات البحثية في التاريخ، وهي “معامل بيل” التي حصد علماؤها 9 جوائز نوبل خلال القرن الماضي. وفي هذا المعمل العملاق الذي شهد ولادة الليزر وأنظمة (UNIX) ولغات البرمجة (C, C++)، بدأ الدكتور عطا الله في تسطير اسمه بأحرف من نور.
ثانياً: ثورة “الموسفت” (MOSFET).. الاختراع الذي صنع عصر الهواتف الذكية
في عام 1960، وبالتعاون مع عالم ياباني، قدم الدكتور عطا الله للبشرية اختراعاً يعتبر حجر الأساس لكل الأجهزة الإلكترونية الحديثة:
ابتكار ترانزيستور (MOSFET): وهو اختصار لـ (Metal-Oxide-Semiconductor Field-Effect Transistor). هذا الابتكار أحدث ثورة غير مسبوقة في عالم الإلكترونيات.
مميزات الترانزيستور: يتميز هذا النوع باستهلاك ضئيل جداً للطاقة، وسهولة فائقة في التصنيع، مما جعله رخيصاً تجارياً ومناسباً للإنتاج الضخم.
أرقام فلكية: بفضل هذا الاختراع، أصبح “الموسفت” الترانزيستور الأكثر استخداماً في التاريخ. وتشير الإحصائيات إلى أن عدد الترانزيستورات التي تم تصنيعها من هذا النوع حتى الآن يتجاوز 10^{22} (أي رقم 1 وبجواره 22 صفراً)، وهو رقم فلكي يثبت حجم الأثر الذي تركه هذا العالم المصري في كل هاتف وكمبيوتر نستخدمه اليوم.
ثالثاً: حارس أموال العالم.. “صندوق عطا الله” وتأمين البنوك
لم يكتفِ الدكتور عطا الله بثورة الإلكترونيات، بل انتقل ليصبح مديراً لقسم البحوث والتطوير في شركة (HP) الشهيرة، قبل أن يقرر تأسيس شركته الخاصة ليقود ثورة جديدة في مجال الأمن السيبراني:
تأسيس شركة عطا الله (Atalla Corporation): في السبعينيات، أسس شركته التي تُعرف حالياً باسم (Ultimaco Atalla)، وتخصصت في حماية البيانات المصرفية والتشفير (Data Security and Cryptography).
اختراع (Atalla Box): ابتكر جهاز (HSM – Hardware Security Module) الذي سُمي تيمناً به “صندوق عطا الله”. هذا الجهاز يتم تركيبه حتى اليوم في جميع ماكينات الصراف الآلي (ATM) حول العالم، ويعتبر أقوى نظام لحماية بيانات البنوك وعمليات السحب المالي.
حماية الأرقام السرية: ابتكر نظام التحقق من الأرقام الشخصية عن بُعد (Remote PIN Verification System)، والذي اعتمدت عليه البنوك لحماية المعاملات المصرفية عن بُعد.
رابعاً: عصر الإنترنت ونظام “TriStrata Security”
مع ظهور الإنترنت وانفجار ثورة التجارة الإلكترونية (E-Commerce) في التسعينيات، واجهت البنوك العالمية تحديات أمنية غير مسبوقة، ولم تجد ملاذاً سوى العقل المصري الذي طالما أنقذها:
استدعاء البنوك الكبرى: طلبت المؤسسات المصرفية العملاقة من الدكتور عطا الله تصميم نظام أمني يحمي المعاملات المالية “أونلاين”.
ابتكار (TriStrata Security): تولى المهمة بنفسه وابتكر هذا النظام فائق التشفير لحماية التجارة الإلكترونية والبيانات عبر شبكة الإنترنت.
توفي هذا النابغة في 30 ديسمبر عام 2009، تاركاً خلفه نظاماً عالمياً يحمي ترليونات الدولارات، وتكنولوجيا تسري في عروق مليارات الأجهزة الذكية. نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجعل علمه الذي نفع البشرية شفيعاً له.




