
(رئيس مجلس إدارة مجموعة كيانات بوابة المحروسة – ضمن مشروع بوابة المحروسة 2030)
لا تزال السيرة التاريخية للشقيقتين “ريا وسكينة” تخبئ في طياتها الكثير من التفاصيل الإنسانية والاجتماعية التي سبقت تشكيل عصابتهما الشهيرة في حي اللبان بالإسكندرية. ومن بين تلك التفاصيل، تبرز قصة زواج “سكينة” من “عبد العال”؛ ذلك الزواج الذي لم يكن مجرد رابطة أسرية عابرة، بل كان بمثابة حجر الأساس الذي تداخلت فيه قيم وتقاليد الصعيد المحافظة مع واقع قاسي فرضه مجتمع الهامش السكندري في مطلع القرن العشرين، لتبدأ من هنا كواليس مثيرة قادت الجميع نحو مصيرهم المحتوم.
أولاً: من المأذون إلى استوديو ماتوسيان.. طقوس زفاف سكينة وعبد العال
بدأت الحكاية بخطوة رسمية لم تخلُ من مظاهر الفرح التقليدية؛ حيث اصطحب عبد العال سكينة إلى المأذون لعقد قرانهما رسمياً.
مستلزمات الزفاف البسيطة: خرج العروسان معاً لشراء مستلزمات زفافهما؛ حيث اشترى عبد العال جلابية جديدة وطربوشاً زهواً باليوم، بينما اشترت سكينة جلابية وحذاءً وباقة ورد لتكتمل فرحتها.
صورة العمر في شارع الإبراهيمي: استقل العروسان حنطوراً متوجهين إلى محل المصور الشهير “كاريس ماتوسيان” الواقع بشارع الإبراهيمي، وهناك التقطا صورة زفافهما التاريخية التي خلدت تلك اللحظة وتداولتها الأجيال لاحقاً كوثيقة تاريخية هامة.
ثانياً: مقهى حارة ماكوريس وبيت علي بك الكبير.. جغرافيا الجريمة تتشكل
عقب الزواج، بدأت معالم البيئة الإدارية والاجتماعية للمجموعة تتشكل بوضوح في جغرافيا حي اللبان:
غرفة ومقهى حارة ماكوريس: استأجرت سكينة غرفة في منزل بحارة ماكوريس، على بعد حوالي ستين متراً فقط من قسم شرطة اللبان. وفي المقابل، استأجرت دكاناً وحولته إلى مقهى كان يرتاده في الغالب أقارب المقبوض عليهم والمحتجزين داخل قسم اللبان، مما جعل المنطقة بؤرة دائمة للمشاجرات اليومية بين أبناء الصعيد وأبناء الإسكندرية.
الانتقال إلى سرداب الموت: في الوقت نفسه، كانت شقيقتها ريا تنتقل إلى منزل آخر سيصبح لاحقاً أشهر بيت في تاريخ مصر، والموصوف بـ “منزل الهلاك” أو “سرداب الموت” الكائن في 38 شارع علي بك الكبير. لم يكن أحد من الجيران يتخيل أن هذا البيت سيصبح حديث الرأي العام بأكمله بعد عام وعدة أسابيع فقط من السكن فيه.
ثالثاً: غضب الصعيد يلاحق عبد العال.. ليلة المواجهة الصامتة في غيط العنب
سارت الحياة بهدوء مؤقت؛ كانت سكينة تدير مقهاها بنجاح، بينما يعمل عبد العال بانتظام في وابور الخواجة خوريمة لحلج القطن. لكن سرعان ما تلاشت هذه السكينة عندما علم أصدقاء عبد العال بماضي زوجته سكينة، ونقل أحدهم الخبر إلى شقيقه الأصغر “محمود”.
لم يتردد محمود في إرسال تلغراف عاجل إلى والدته في الصعيد لإبلاغها بالأمر؛ فبالنسبة لعائلة صعيدية تلتزم بالقيم والمبادئ، فإن ارتباط ابنهم بامرأة اشتهرت بممارسة البغاء يعد عاراً لا يمحوه الزمن.
سافرت الأم المكافحة “ليلة بنت عيد أبو العلا” على الفور إلى الإسكندرية، ونزلت في منطقة “غيط العنب” حيث يقيم ابنها محمود. واستدعت عبد العال على عجل:
دموع العتاب: دخل عبد العال على والدته التي انهمرت دموعها بحرقة قائلة: “ما تمرتش ربايتي فيك يا ولدي.. سنين طويلة ما فكرتش حتى تزورني”.
تبرير الغياب: حاول عبد العال تهدئتها معتذراً بقسوة الحياة وانشغاله بالعمل، ومذكراً إياها بظروفه ومقاطعة والده وعمه له بسبب سلوكياته السابقة التي رفضها مجتمع الصعيد من شرب للخمور وممارسات غير مقبولة.
المراوغة الذكية: عندما سألته أمه أثناء العشاء: “بتنام فين يا ولدي؟”، أجابها بطمأنينة أخفت الحقيقة: “لي شريكة في القهوة، ست جدعة وطيبة، بتغسل هدومي وبنام في أوضة في بيتها”. فدعت له والدته بلهجتها الصعيدية: “ربنا يوفجك يا ولدي”، دون أن تدرك أنه تزوجها رسمياً، فقضى ليلته هناك بارتياح تام.
رابعاً: غياب الزوج والشرارة الأولى لمعركة سوق الجمعة
في تلك الأثناء، تملك القلق والذعر من سكينة بسبب اختفاء زوجها المفاجئ. بدأت رحلة البحث عنه في “خمارة كرياكو”، حيث أفرطت في شرب الخمر بشراهة، دون أن تفقد وعيها كعادتها.
وفي الصباح، توجهت إلى مقر عمله في وابور حلج القطن، وعلمت بأنه لم يحضر. زاد توترها، فعادت إلى الخمارة ثم اتجهت إلى “بيت سوق الجمعة” (أحد بيوت البغاء السري) وجلست في شرفته في حالة نفسية سيئة للغاية.
هنا اندلعت الشرارة التي مهدت لتوترات أكبر:
القبلة المستفزة: مر أحد الجيران ويدعى “محمد أبو طلبة” أمام المنزل، وبدافع الاستهزاء وجه لسكينة قبلة في الهواء بصوت مرتفع.
السباب والاشتباك: لم تتمالك سكينة نفسها، وانهالت عليه بوابل من الشتائم القاسية أمام المارة.




