
بقلم الكاتب الصحفي: سعيد سليم
(رئيس مجلس إدارة مجموعة كيانات بوابة المحروسة – ضمن مشروع بوابة المحروسة 2030)
لم تكن جرائم “ريا وسكينة” وليدة الصدفة، بل كانت نتاج بيئة اجتماعية واقتصادية شديدة التعقيد والتردي سادت هوامش مدينة الإسكندرية في أعقاب الحرب العالمية الأولى. في هذا التحقيق التاريخي الموثق، نستعرض كيف تحولت غرف السكن البسيطة وحلقات تعاطي “الكيف” إلى مسرح لأبشع خطة جنائية في تاريخ مصر الحديث، وكيف تكاتف الجوع العضوض مع بريق الذهب ليزينا للشيطان ارتكاب الجريمة الأولى التي فتحت أبواب الجحيم.
أولاً: كواليس “محششة” حارة النجاة.. تجارة الكيف واستقطاب الزبائن
بدأت المرحلة الجديدة من حياة الشقيقتين عندما وافقت ريا على تحويل غرفتها بحارة النجاة إلى مكان لتعاطي “الحشيش”، بينما انتقلت سكينة للإقامة في الغرفة التي تعلوها بالطابق الثاني.
إدارة الكيف (أبو زكاك): كان “محمود خليل إبراهيم” الشهير بـ “أبو زكاك” هو المسؤول عن إعداد تعامير الحشيش. وقد كان التعاطي منتشراً آنذاك بين جميع الطبقات، ولعل من أشهر من ارتبط اسمهم بالكيف فنان الشعب “سيد درويش” ابن حي كوم الدكة، الذي توفي مبكراً.
استقطاب الزبائن: انتشر خبر “المحششة” سريعاً في منطقتي الفراهدة وكوم بكير. وكانت ريا تجيد اللعب على احتياجات الزبائن؛ حيث كانت توفر فتيات بأسعار تتفاوت بحسب القدرة المالية للزبون.
عودة رفاق السوء: عاد عبد العال لسكينة بعد سفر والدته إلى الصعيد، وتصالحا كرفيقين تجمعهما العشرة لا كأزواج. ولتوفير الطعام للزبائن، كانت سكينة تشتري الدجاج النافق (الفطيس) وتطهوه لرواد المكان دون علمهم. في الوقت نفسه، عاد “عرابي حسان” من خدمته مع السلطة، ليصبح محل “أبو أحمد النص” ملتقى دائماً له ولحسب الله وعبد العال لمراقبة مدخل المحششة تحسباً لمداهمات الشرطة.
ثانياً: الفقر المدقع وظهور “الفتوة” عبد الرازق يوسف
في أحد المساءات، تعالت الأصوات داخل المحششة بسبب مشاجرة حول ثمن الحشيش. وعندما أخرج رفاق ريا الزبون لضربه في الخارج، اكتشفوا أنه عبد الرازق يوسف؛ العربجي المعروف في المنطقة بقوته الإجرامية وسوابقه الحافلة بالسرقة والاعتداء، والذي كان يلقب بـ “الفتوة”.
تدارك حسب الله الموقف سريعاً تفادياً لخسارة المكان، فقدم له كأساً من “الكونياك” حتى توطدت العلاقة بين عبد الرازق والشركاء. لكن الهدوء لم يدم، حيث ضرب الفقر والديون المجموعة بأكملها:
تراكم ديون سكينة: غرقت سكينة في الديون لصاحب الخمارة “كرياكو” ولم تعد تملك ثمن كأس الكونياك.
شبح الجوع يطارد ريا: كانت ريا تعيش رعباً دافئاً من الجوع، ولم تنسَ أبداً اليوم الذي ماتت فيه طفلتها ولم تكن تملك ثمن كفنها لولا مساعدة “مريم الشامية”.
ترديد المثل الشهير: من شدة العوز والفقر، صار عبد الرازق وحسب الله وعبد العال وعرابي يرددون المثل الشعبي السكندري الصادم: “بنسأل الله في حق النشوء” (في إشارة لعدم امتلاكهم مليمًا واحدًا).
ثالثاً: لمعان الذهب ووساوس الشيطان.. استهداف “خضرة اللامي”
في هذه الأجواء الخانقة من الفقر والجوع، كانت ريا تجلس في بيتها بحارة النجاة برفقة امرأة تقارب الخمسين من عمرها تدعى خضرة محمد اللامي، والمشهورة في المنطقة باسم “هانم”.
عرضت خضرة على ريا شرب كأسين من الكونياك، وأخرجت محفظة نقودها لتدفع الثمن. في تلك اللحظة، لمع الشيطان في عيني ريا:
البريق القاتل: كانت محفظة خضرة ممتلئة بالجنيهات، وعندما أعادتها إلى صدرها، ظهرت أساورها الذهبية البراقة بوضوح.
المقارنة القاتلة: شعرت ريا بالمرارة؛ فهي صاحبة المكان ولا تملك نصف فرنك، بينما خضرة التي تعمل معهن تمتلك المال والذهب.
تطور المؤامرة: نقلت ريا المشهد لحسب الله، وتناقش مع عرابي وعبد العال وعبد الرازق حول ضيق حالهم. اقترح عرابي استدراجها وسرقتها، لكن حسب الله خشي الانكشاف والاضطرار للهروب مجدداً. هنا تدخل الفتوة عبد الرازق يوسف بثقة وعنف قائلاً: “سيبولي الموضوع ده”، مقترحاً تصعيد الأمر إلى القتل والتخلص منها تماماً للاستيلاء على الذهب والمال دون ترك أثر.
رابعاً: عقبة “سكينة” والمواجهة الحاسمة.. كيف أقنعتها “ريا” ببدء الجريمة؟
ساد الصمت بين الشركاء، ولم يعترض أحد على مقترح القتل، لكن بقيت عقبة واحدة تؤرق مضاجعهم وهي “سكينة”؛ نظراً لإدمانها الخمر وخوفهم من أن تفشي السر لسانها في لحظة سكر.
تكفلت ريا بإقناع شقيقتها، فتوجهت لغرفتها ووجدتها تنتف ريش دجاجة نافقة لتطهوها:




