
بقلم: الكاتب الصحفي سعيد سليم رئيس مجلس إدارة
مجموعة كيانات بوابة المحروسة
مع إشراقة شمس عام هجري جديد، تطل علينا ذكرى الهجرة النبوية المباركة؛ لتتجاوز في وجداننا مجرد حدثٍ تاريخي عابر انقضت تفاصيله الزمانية والمكانية منذ أكثر من أربعة عشر قرناً. إنها تمثل في حقيقتها الفلسفية والإستراتيجية نقطة التحول الأعظم في تاريخ الإسلام البشري، والمنطلق الأساسي لبناء الدولة وترسيخ دعائم المجتمع الإنساني القائم على العدالة، والتكافل،
والمواطنة. ومن هنا، لا ينبغي لنا ككُتّابٍ ومفكرين أن نقف عند حدود السرد التقليدي، بل وجب علينا تفكيك العِبر، واستلهام الرؤى التي تُضيء واقعنا المعاصر.
إن الهجرة لم تكن فراراً من اضطهاد، أو التماساً لراحة دنيوية، بل كانت هجرةً للمبادئ وبناءً للبدائل الإستراتيجية. فقد واجه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مكة انسداداً في الأفق الدعوي والاجتماعي، فكان القرار الإلهي بالانتقال إلى المدينة المنورة لتأسيس بيئة حاضنة، تتجلى فيها القيم النظرية في صورة تشريعاتٍ ومؤسساتٍ تعيش على أرض الواقع. ومن هنا ندرك أن التغيير الإيجابي يتطلب دائماً السعي، والتخطيط، وإعادة تموضع الطاقات في البيئة الإستراتيجية المناسبة لتوليد البناء والنماء.
الأصل القرآني والتأصيل الإلهي لحدث الهجرة
لقد خلّد القرآن الكريم حدث الهجرة في آياتٍ تتلى إلى يوم القيامة، مؤكداً أن النصر الحقيقي ينبع من الإيمان المطلق والسكينة الإلهية، حتى في أحلك الظروف وأكثرها تعقيداً. ويبرز ذلك جلياً في قوله الحق تبارك وتعالى في سورة التوبة مسجلاً تلك اللحظات الإعجازية في الغار
إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيز
سورة التوبة
هذه الآية الكريمة تضع أمامنا المنهج المتكامل؛ فالأخذ بالأسباب المادية الذي تمثل في اختيار الرفيق (أبو بكر الصديق رضي الله عنه)، والدليل الخبير، وطريق الهجرة غير المألوف، لم يمنع من التوكل الكامل على الله. عبارة “لا تحزن إن الله معنا” هي قاعدة ذهبية لكل مصلح ومؤسسة تسعى لخدمة المجتمع، مفادها أن المعية الإلهية هي صمام الأمان والضمانة الحقيقية للنجاح والعبور نحو بر الأمان.
التخطيط المؤسسي وحتمية الأخذ بالأسباب
إذا نظرنا إلى الهجرة النبوية بعين المحلل الإستراتيجي، سنجد أنها أروع نموذج للتخطيط الإداري والمؤسسي. فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يهاجر عفو الخاطر، بل وضع خطة محكمة وزّع فيها الأدوار بدقة متناهية تفوق الوصف: علي بن أبي طالب ينام في الفراش لتأدية الأمانات وتضليل المشركين، وعبد الله بن أبي بكر يتتبع الأخبار، وأسماء بنت أبي بكر الصديق تحمل التموين والإمداد، وعامر بن فهيرة يُعمي الآثار بالأغنام، وعبد الله بن أريقط الدليل الخبير الذي استُؤجر لكفاءته وأمانته.
هذا التوزيع الدقيق للأدوار يعلمنا في واقعنا المهني والمجتمعي، سواء في إدارة المؤسسات الصحفية أو في قيادة العمل الأهلي والتنموي بجمعيات النفع العام، أن النجاح لا يُبنى على العشوائية، بل يقوم على الكفاءة، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب، والاستعانة بالخبرات التخصصية، وتكامل الجهود بين كافة عناصر المجتمع.
فلسفة الهجرة المتجددة: هجرة الذنوب وهجر السلبية
إن الهجرة بمفهومها الجغرافي قد انتهت بفتح مكة، كما أكد ذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولكن دلالتها الروحية والأخلاقية ممتدة وباقية، وتتجدد مع كل عام يستقبله المسلم. فالأمة اليوم بحاجة إلى “هجرة معنوية” شعارها ترك الكسل والجهل، والعبور نحو الإنتاج، والتضامن، والعمل الإيجابي المثمر. وفي هذا السياق نذكر التأصيل النبوي الشريف:
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسَانِهِ ويَدِهِ، والمُهَاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهَى اللَّهُ عنْه».صحيح البخاري
هذا التأصيل النبوي يربط الهجرة سلوكياً بالمواطنة الصالحة والسلام المجتمعي؛ فسلامة الناس من أذى اللسان واليد هي الركيزة الأولى لأي تنمية مستدامة. وتصبح الهجرة في هذا الإطار مرادفاً للتطوير الذاتي، والسمو الأخلاقي، والتحول من التواكل إلى البناء والمشاركة الحقيقية في نهضة الأوطان ورعاية الأسر والمجتمعات.
