الرئيسية أسرة و مجتمع المطبخ السري الذي أنضج جريمة “ريا وسكينة” في كفر الزيات
أسرة و مجتمع

المطبخ السري الذي أنضج جريمة “ريا وسكينة” في كفر الزيات

Share
20 عدد المشاهدات
Share

من رماد الصعيد إلى بؤس الدلتا.. “بوابة المحروسة” تنبش في الدفاتر القديمة لـ “آل همام” والمطبخ السري الذي أنضج جريمة “ريا وسكينة” في كفر الزيات

بقلم الكاتب الصحفي: سعيد سليم

رئيس مجلس إدارة مجموعة كيانات بوابة المحروسة

من رماد الصعيد إلى بؤس الدلتا.. “بوابة المحروسة” تنبش في الدفاتر القديمة لـ “آل همام” والمطبخ السري الذي أنضج جريمة “ريا وسكينة” في كفر الزيات

 كيف تصنع البيئة وحوشاً بشرية؟

لا تولد الجريمة المنظمة من فراغ، بل تُطبخ على نار هادئة في مواقد الفقر، والتهميش، والتحولات الاقتصادية العنيفة. وفي تاريخ مصر الحديث، تظل قصة “ريا وسكينة” هي الأبشع والأكثر إثارة للغموض؛ غير أن الذاكرة الشعبية اختزلت القصة في نهايتها الدامية بالإسكندرية، مغفلةً “المطبخ الحقيقي” الذي تخرّجت منه هذه العصابة.

اليوم، ومن واقع القراءة التاريخية الموثقة في مؤلفات المؤرخ الراحل الأستاذ صلاح عيسى، نفتح في “بوابة المحروسة” الدفاتر القديمة لترصد كيف تحولت مدينة “كفر الزيات” من مجرد قرية طينية وادعة إلى مسرح أولى الخطوات الإجرامية لعائلة “آل همام”.

أولاً: كفر الزيات.. من قرية طينية إلى وحش صناعي يلتهم المهاجرين

حتى منتصف القرن الماضي، لم تكن “كفر الزيات” سوى قرية ريفية طينية غارقة في رطوبة الدلتا، تقبع هادئة على ضفاف فرع رشيد، وتفوح في أرجائها روائح الزيوت المنبعثة من معاصر بدائية تديرها الماشية بأعين مغماة. لكن هذا الهدوء تبدد للأبد عندما زحف نحوها “الوحش الحديدي”؛ إذ شقّت خطوط السكك الحديدية قلب البلدة، لتتوقف القطارات القادمة من القاهرة بعنف عند حوافها، وتنقل العربات عبر معديات بخارية فوق النهر، قبل أن يستقر كوبري حديدي هائل اختصر زمن الرحلة من 42 ساعة كاملة إلى 7 ساعات فقط!

هذا الجسر الحديدي فتح بوابات الهجرة على مصراعيها:

  • تدفقت الآلاف من العائلات هرباً من شبح الفقر والجوع في الجنوب.

  • ألقى المهاجرون بأنفسهم في جوف هذه المدينة شبه الصناعية الناشئة.

  • وسط هذه الظلال الوافدة، وصلت عائلة يلف الغموض والفاقة تاريخها ومستقبلها… عائلة آل همام.

ثانياً: شتات آل همام.. مقهى الرصيف ومطحنة المحالج

اختفى عائل العائلة “علي همام” في ظروف غامضة، تاركاً خلفه أرملة حادة الملامح تدعى “زينب بنت مصطفى”، وثلاثة أبناء سيحفرون أسماءهم لاحقاً بالدم في تاريخ الجريمة بمصر: “أبو العلا”، و”ريا”، و”سكينة”.

جاءت العائلة من أقصى الصعيد وتحديداً من محافظة “بني سويف” مدفوعة بقرصات الجوع. وما إن وطأت أقدامهم أرض كفر الزيات حتى ابتلعهم سوق العمل الشرس:

  • التحق الابن “أبو العلا” والأخت الصغرى “سكينة” بالعمل في وبرات حلج القطن.

  • انطلقت “ريا” مع والدتها “زينب” في الشوارع كبائعتين جوالتين للخضار.

لكن الأم “زينب” لم تكن ترضى بالقليل العاجز؛ فاقتطعت مساحة من الرصيف القريب من تجمع عمال محالج القطن، وأنشأت هناك مقهى عشوائياً في الهواء الطلق، لتصنع الشاي وتعد “كراسي الدخان المعسل”. ولأن الابن “أبو العلا” كان واهناً وخالياً من أي مهارة يدوية، فقد ترك التروس الشرسة للمحالج ليتشارك مع أمه في إدارة مقهى الرصيف، مستسلماً لعالم الليل والزبائن العابرين.

ثالثاً: لعنة “الزغبار” وظهور “حسب الله” في الكادر

في المقابل، كانت الأخت الكبرى “ريا” تواجه بؤسها الخاص؛ إذ تزوجت للمرة الأولى من مهاجر صعيدي مثلها، جاء من قرية “الرقبة” النائية في أسوان. كانت عائلة الزوج تجسيداً صارخاً للبؤس؛ والده “سعيد مرعي” وشقيقه الأوسط “حسب الله” هربا مبكراً إلى الإسكندرية بحثاً عن لقمة العيش، بينما ظل الابن الأصغر يقيم مع والدته في الجنوب داخل بيت من الطوب اللبن لا يزيد عن غرفة واحدة وحوش ضيق.

لم يدم هذا الزواج طويلاً؛ إذ حاصرته ظلال الموت. فالزوج—الذي لم تذكر “ريا” اسمه قط في اعترافاتها اللاحقة أمام جهات التحقيق—أصابه مرض صدري غامض وقاتل، لعله “السل” الذي كان ينهش صدور عمال المحالج بسبب استنشاق “الزغبار” الأبيض المتطاير وسط بدائية الآلات وضآلة التغذية.

بينما كانت “ريا” في شهور حملها الأولى، سقط زوجها تحت وطأة الاحتضار، فأرسلت استغاثة عاجلة إلى الإسكندرية، تستدعي شقيقه الأوسط “حسب الله سعيد مرعي”، الذي كان يعمل آنذاك بواباً وراعياً لحديقة خواجة يوناني يُدعى “إستاورو”.

وصل “حسب الله” إلى كفر الزيات، ليرى شقيقه يلفظ أنفاسه الأخيرة ببطء على مدار شهر كامل من العذاب. مات الزوج، وأراد “حسب الله” الفرار والعودة إلى عمله السهل في الإسكندرية، لكن “البلديات” من صعايدة أسوان حاصروه بالأعراف والتقاليد الصارمة قائلين له:

“لا تترك أرملة أخيك وحيدة وهي حامل في شهرها السادس… ابقَ حتى تضع حملها، لتكون في استقبال المولود وتقوم بالواجب نيابة عن شقيقك الراحل”.

انصاع “حسب الله”، والتحق بمحلج يملكه رجل نمساوي يُدعى “وابور الخواجة زرفودلكي”. وفي يناير 1909، وضعت ريا طفلاً ذكراً، وهنا كشرت التقاليد والأقدار المظلمة عن أنيابها مجدداً، والتفت العصبة حول “حسب الله” قائلين: “أرملة أخيك ما تزال شابة صغيرة، ومن الأفضل لكما أن تتزوجا لكي يتربى ابن أخيك في أحضانك فلا يشعر باليتم تحت رحمة رجل غريب”.

لم يجد “حسب الله” ما يعترض به، ولم يهتم بفارق العمر المرعب بينه وبين “ريا”؛ إذ كانت هي في الرابعة والثلاثين من عمرها، بينما لم يكن هو قد تجاوز العشرين من عمره! كان شاباً نحيل البنية، يبحث عن حياة تؤنس غربته، فتزوجها متحمساً بعد مضي 40 يوماً فقط على الوضع، وعُقد القران في صمت مريب تحت وطأة حداد لم ينتهِ على الأخ الراحل.

رابعاً: لغز الرابطة المقدسة وحصاد الموت المرعب

استقر “حسب الله” مع “ريا” في كفر الزيات لسبع سنوات كاملة. والمفارقة المأساوية أن الطفل الصغير، الذي كان المبرر الوحيد لهذا الزواج، لم يعش سوى عام واحد ومات!

كان الموت يترصد بفراش “ريا” دائماً؛ إذ أنجبت من “حسب الله” خمسة أطفال خلال 11 عاماً، مات منهم أربعة وهم رضع بسبب سوء التغذية وتدهور المعيشة (محمود، وأبو العطا، وفاطمة، ونبوية)، ولم تنجُ من هذا الحصاد المرعب سوى طفلة واحدة ستحمل لعنة العائلة لاحقاً… وهي الطفلة “بديعة” (التي ولدت نهاية عام 1910).

لكن الرابطة بين “ريا” و”حسب الله” لم تنفصم، بل تحولت إلى ولاء مطلق ومخيف يثير الحيرة—ولاء جعل علاقتهما تبدو كلغز صعب الفهم، خاصة حين اضطربت حياتهما لاحقاً وواجها شبح المشنقة معاً دون أن يتخلى أحدهما عن الآخر أو يشي به.

خامساً: سقوط الأقنعة.. الخطوات الأولى في السجل الجنائي

في تلك السنوات، بدأ قناع “حسب الله” السلوكي يتساقط؛ فقد كان شاباً يكره العمل اليدوي الشاق ويفضل الأعمال التافهة ذات المظهر البراق التي تمنحه اعتزازاً كاذباً وسلطة، كأن يكون “بواباً” أو “خفيراً”. كان سيكوباتي المزاج، يفضل كسب النقود دون مجهود. ولأن العمل في المحالج كان موسمياً لا يستغرق سوى ثلث السنة، فقد باتت الأسرة بلا مورد لثمانية أشهر كاملة.

تحملت “ريا” العبء، ونزلت تبيع الخضار مع أختها “سكينة” لتنفق على الأسرة وعلى نزوات “حسب الله” الذي غرق في تعاطي “المنزول” (المخدر المكون من الحشيش والداتورة وجوزة الطيب) وشرب الخمر. وزاد الأمر سوءاً عندما ضرب الكساد محالج كفر الزيات وأفلس وابور “زرفودلكي”.

وفي نهاية عام 1912، خطت العائلة أولى خطواتها الرسمية في عالم الجريمة:

  • ضُبط “حسب الله” متلبساً وهو يسرق القطن من “وابور بلنطة” الذي كان يعمل به خفيراً!

  • اعتدى بالسب على شيخ الخفراء الذي قبض عليه، فحكمت عليه المحكمة بالحبس 6 أشهر.

  • خرج من السجن أكثر حذراً وذكاءً، فاحترف سرقة المحلات التجارية الصغيرة في الشوارع الخلفية المظلمة بعيداً عن الأعين، وانضم إليه سريعاً شقيق زوجته… “أبو العلا” القهوجي.

سادساً: سكينة.. الانحدار السريع إلى هاوية حي “الواسعة”

بينما كان الثلاثي يدير شبكة السرقات الصغيرة، كانت الأخت الصغرى “سكينة” تصنع قدرها الخاص الأكثر قتامة. كانت تختلف عن “ريا”؛ إذ كانت أكثر جسارة، حادة الملامح، ومتمردة لا تطيق قيود المجتمع، واكتسبت جرأة غريبة من اختلاطها الطويل بالرجال في المحالج ومقهى الرصيف.

تزوجت من رجل نوبي، لكن الزواج انتهى بالطلاق بعد عامين فقط، وماتت طفلتها “زينب” وهي رضيعة، لتجد “سكينة” نفسها مطلقة، وحيدة، وجائعة في السابعة والعشرين من عمرها. بدأت تنحدر بسرعة؛ صاحبت عدداً من الرجال في علاقات حرة، ثم انتقلت إلى ممارسة البغاء السري في كفر الزيات، حتى التقطتها إحدى “العايقات” (مديرات بيوت البغاء الرسمي)، وسجلت اسمها كـ “مومس” مرخصة ضمن “نقطة المومسات” بمدينة طنطا القريبة، وانتقلت للإقامة بمفردها في حي “الواسعة”—منطقة البغاء الشهيرة آنذاك.

المثير للدهشة والغرابة أن شقيقها “أبو العلا” وزوج أختها “حسب الله” لم يفرضا أي اعتراض على عملها أو إقامتها بمفردها في هذا الحي! وهو ما يكشف عن مدى التحلل والانسحاق الأخلاقي الذي لحق بأولاد “علي همام” تحت وطأة الفقر الصارخ، فصمتوا على ما كان يستحيل على الأعراف الصعيدية الصمت عليه.

غير أن رحلة طنطا انتهت بعد 9 أشهر إثر إصابتها بمرض سري خطير أرقدها بالمستشفى، وهناك استخدمت جاذبيتها لتوقع بممرض يدعى “أحمد رجب”، ونشأت بينهما علاقة تسببت في فصله من عمله، وما إن برئت حتى هربا معاً تحت جنح الليل إلى الإسكندرية.

سابعاً: المجاعة الكبرى وطبخ الجريمة تحت رماد الحرب

تدهورت حالة بقية آل همام المستقرين في كفر الزيات بعد هرب “سكينة”. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى في أغسطس 1914، حط الركود الشامل على أسواق القطن، واحتجز المزارعون 40% من المحصول دون بيع، وانخفض السعر من 18 ريالاً إلى 10 ريالات فقط للقنطار.

انقلبت حياة المصريين إلى جحيم، وامتدت الأزمة لأربع سنوات كاملة من الجوع والرماد. اختفت المواد الغذائية الأساسية، واحتكر التجار الأجانب السلع، وأغلق محلج “لندمان” (الذي كان يعمل به حسب الله خفيراً) إثر اعتقال صاحبه الألماني. تفشت البطالة واضطر المهاجرون للعودة إلى الصعيد، لكن “حسب الله” رفض الرحيل؛ إذ شغف بحياة المدن حيث لا رقابة اجتماعية تحول بينه وبين نـزواته.

هنا، عادت العصابة بقوة إلى عملها المشترك: سرقة الدكاكين.

  • تركزت غزوات “حسب الله” و”أبو العلا” الليلية على محلات البقالة الصغيرة المتناثرة في الأزقة المظلمة.

  • كانت الغنائم تافهة ومغموسة بالبؤس: علب زيت طعام، جوال سكر، قطع صابون غسيل، لكساء بطونهم وبطون أطفالهم.

  • كانت الزوجة “ريا” والأم “زينب” تأخذان هذه المسروقات لتبيعاها في مقهى الرصيف أو تدوران بها على أبواب البيوت.

  • الأشياء الثمينة كالموازين النحاسية كان “حسب الله” أو “أبو العلا” يسافران بها قطاراً إلى أسواق طنطا لبيعها بعيداً عن الشبهات.

خلاصة تاريخية وأمن قانوني:

لقد تحول مجتمع كفر الزيات آنذاك بفعل ظروف الحرب العالمية الأولى إلى غابة من الجوع، وكانت هذه العائلة تتشرب مبادئ الجريمة ببطء شديد. اعتادوا العيش في الظلام، وتعلموا التمرد والتحايل على القانون وتصريف المسروقات.

كانت كفر الزيات هي المدرسة والمطبخ الحقيقي الذي تخرج منه آل همام؛ ولم يكن باقٍ سوى أن يجتمع شمل الأخوات (“ريا” و”سكينة”) مع الزوج (“حسب الله”) في مدينة واحدة تلتقي فيها كل خيوط الجريمة والنشاط السري… مدينة الإسكندرية، حيث ستتحول سرقة علب الزيت والصابون البسيطة، إلى أشنع وأبشع شبكة لسرقة الأرواح في تاريخ مصر الحديث.

هذا المقال يمثل قراءة تحليلية في المراجع الأدبية والتاريخية الموثقة المستندة إلى كتاب “رجال ريا وسكينة” للكاتب والمؤرخ الراحل صلاح عيسى، ويُطرح من باب التوعية والتوثيق التاريخي الجنائي دون أدنى مسؤولية قانونية عن وقائع جرت في حقبة تاريخية مضت.

الوسوم والهاشتاجات الموصى بها للأرشفة:

#بوابة_المحروسة #ريا_وسكينة #تاريخ_مصر #آل_همام #كفر_الزيات #صلاح_عيسى #جرائم_تاريخية #الحرب_العالمية_الأولى #توثيق_تاريخي

ضيف تعليقك وقول رأيك
Share
كتب عبر
saidslem

موقع إخبارى متجدد شامل يهتم بالحدث والوصول الى حقيقة الأخبار المتلاحقة والموثقة بالمستندات الدامغة . ينشر الموقع الأخبار السياسية والأقتصادية والتعليمية والصحية والثقافية والمرإة والطفل والدين والدنيا والرياضة والحوادث مع الألتزام الكامل بميثاق الشرف الصحفى والضوابط المنظمة كاملة لعمل المواقع الألكترونية.

مصوغات إيهاب كرموز

Ehab-Gold

مواقيت الصلاة

الحقيبه الاقتصاديه أ/ سعيد

بوابة المحروسة علي فيس بوك

أسعار العملات اليوم

اقرأ يضآ في بوابة المحروسة

​إعتذار رسمي لرئيس هيئة التامينات عن تاخر صرف المعاشات

ينشرها الكاتب الصحفي سعيد سليم بوابة المحروسة الاسكندرية عاجل من البرلمان |...

{ من 200 جنيه إلى 65 جنيهًا: لماذا انخفض سعر البيض الآن؟ وأين كانت الرقابة عندما كان المواطن يدفع الثمن؟ }

بقلم اللواء عبد الحميد خيرت وكيل الادارة العامة للامن الوطني السابق بوابة...

من “حكمت أبو زيد” إلى “السياسة التحريرية”.. تحولات مفهوم “السيدة الأولى” في مصر

​بقلم/ سعيد سليم ​تظل الذاكرة السياسية المصرية غنية بالمواقف التي تعكس رؤية...