
الكاتب الصحفي سعيد سليم
تقديم قراءاتها التوثيقية التراثية المتميزة لتبصير قرائها الأوفياء بكواليس وتاريخ صناع البهجة في مصر والوطن العربي؛ حيث نفتح اليوم الدفاتر الإنسانية لأحد أهم رموز الكوميديا عبر التاريخ، النجم الراحل سمير غانم، لنكشف كيف تحول مسار حياته من الصرامة العسكرية إلى صناعة الضحك الخالص.
ولد سمير يوسف غانم في أسيوط لأسرة تعود لجذور “عرب الأطاولة”. ولأن والده كان لواء شرطة يتسم بالشدة والحزم، كان الحلم الطبيعي للشاب هو السير على خطى أبيه، والتحق بالفعل بكلية الشرطة مرتدياً البدلة الميري، دون أن يدري أن القدر يخبئ له مساراً مغايراً تماماً.
صلاح ذو الفقار وحلبة الملاكمة: نقطة التحول الإجبارية
شهدت فترة دراسة سمير غانم بكلية الشرطة مفارقة تاريخية؛ إذ كان قائده المباشر في تلك الفترة هو النقيب طيار وصاحب الملامح السينمائية الشهيرة صلاح ذو الفقار، والذي لمح في تكوين سمير سمات تؤهله للرياضة، قائلاً له: “أنت تنفع ملاكم”.
تجربة حلبة البوكس: دفع القائد الشاب سمير للانضمام إلى فريق البوكس بالكلية، إلا أن التجربة انتهت سريعاً بتلقيه لكمة قوية من الجولة الأولى، ليقرر اعتزال الرياضة مبكراً.
مغادرة أسوار الكلية: لم تقتصر الأزمة على الحلبة فحسب، بل واجه سمير تعثراً دراسياً بالرسوب لسنتين متتاليتين، مما أدى قانونياً وفنياً إلى مغادرته أسوار كلية الشرطة، ليغلق صفحة الحياة العسكرية نهائياً.
من زراعة الإسكندرية إلى ثلاثي أضواء المسرح
تحول مسار سمير غانم نحو عرش الفن عند انتقاله إلى كلية الزراعة بجامعة الإسكندرية؛ فخلال الأوقات المقتطعة والسمر العفوي الذي كان يجمعه بزملائه أثناء فترات العقوبات الطلابية أيام الخميس والجمعة، ولدت موهبته الفطرية في صناعة الابتسامة.
وهناك، التقى برفيقي دربه الضيف أحمد وجورج سيدهم، لتولد واحدة من أعظم الفرق الاستعراضية في تاريخ الفن العربي: “فرقة ثلاثي أضواء المسرح”، والتي حققت نجاحاً ساحقاً وحفظ الجمهور أغانيها الشهيرة مثل “كوتوموتو”. وعقب انفراط عقد الفرقة برحيل الضيف أحمد، شق سمير لنفسه مدرسة كوميدية مستقلة قوامها الارتجال الفوري التلقائي، ليصبح ظاهرة مسرحية فريدة بمجرد ظهوره على خشبة المسرح.
المحطات العاطفية في حياته: من الزيجات السريعة إلى واحة دلال عبد العزيز
مر الفنان الراحل بمحطات اجتماعية متعددة قبل أن يستقر بيته الأسري:
الزيجة الأولى: ارتبط في بداياته بمعجبة أجنبية أحبت جنونه الفني وكانت تحرص على حضور كافة مسرحياته، وجاء الارتباط بنصيحة من صديقه الضيف أحمد، واستمر الزواج لمدة شهرين أو ثلاثة قبل الانفصال بشكل ودّي.
الزيجة الثانية: خاض تجربة زواج ثانية عابرة لم تستمر سوى أسبوع واحد فقط.
شريكة العمر دلال عبد العزيز: في عام 1984، دخلت الفنانة دلال عبد العزيز حياته ليُتوج الارتباط بالزواج، وينجبا النجمتين دنيا وإيمي سمير غانم، لتتحول حياتهم إلى واحة من البهجة؛ وكان الراحل يردد دائماً أن “لدغة” ابنته إيمي في طفولتها كانت تفوق في إضحاكه أي إيفيه مسرحي.
قصة ولادة “فطوطة” والرحيل الهادئ
في ثمانينيات القرن الماضي، عُرضت عليه فكرة تقديم الفوازير التلفزيونية، وكان المقترح الأصلي للمؤلف تقديم شخصية ترتدي السواد تُدعى “بطوط” تشبهاً بالرحالة ابن بطوطة. وعند اختبار الكاميرا ظهرت الشخصية بشكل غير ملائم بصرياً، وهنا تجلت عبقرية سمير غانم؛ إذ قام بشراء حقيبتين كبيرتين وارتداهما في قدميه كحذاء ضخم، ومن هذه المفارقة ولدت شخصية “فطوطة” الشهيرة التي أرهقته جسدياً ونفسياً في الأداء، لكنها حفرت اسمه في قلوب ملايين الأطفال.
وفضل النجم الراحل يزرع البهجة لأكثر من ستين عاماً تنقل فيها بين “فطوطة” وشخصية “ميزو” وعشرات الأعمال المسرحية، حتى رحل عن دنيانا في مايو 2021، تاركاً خلفه سيرة عطرة وفناً راقياً تمكن من إضحاك الملايين دون اللجوء لابتذال أو إسفاف.




