
تحرص “بوابة المحروسة”
الكاتب الصحفي سعيد سليم
دائماً على فتح دفاتر التاريخ الفني وتثقيف قرائها الأوفياء بكواليس وحقائق صناع البهجة في مصر؛ حيث نُبحر اليوم في السيرة الإنسانية العميقة لواحدة من أشهر رائدات الكوميديا المصرية، الفنانة القديرة زينات صدقي، لنكشف بالوثائق كواليس رحلتها من حي الجمرك بالإسكندرية إلى منصات التكريم الرئاسي، مروراً بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي واجهتها بكل كبرياء.
ولد الفن من رحم المعاناة والإصرار، وتجسد ذلك في مسيرة ابن حي الجمرك العريق التي واجهت قيوداً أسرية صارمة لتصنع لنفسها اسماً خالداً في تاريخ السينما العربية.
من حي الجمرك إلى مسرح الريحاني: ولادة اسم فني خالد
بدأت الرحلة في 4 مايو 1912 بمحافظة الإسكندرية، حيث ولدت “زينب محمد مصباح” لعائلة اتسم عائلها بالشدة والحزم؛ إذ منعها من إتمام دراستها في “معهد أنصار التمثيل” الذي أسسه الرائد زكي طليمات. وبعد تجربة زواج مبكرة لم تستمر سوى عام واحد، قررت مدفوعة بشغفها الفني الانتقال إلى القاهرة والغناء في الفرق الصغيرة.
وجاءت نقطة التحول التاريخية حين شاهدها عملاق المسرح نجيب الريحاني، فـتنبأ بموهبتها الاستثنائية قاصداً منحها اسماً فنياً جديداً، واشتق لها اسم “زينات” من صديقتها خيرية صدقي، لتبدأ من هنا مسيرة “زينات صدقي” التي أثرت الشاشة بأكثر من 400 عمل سينمائي.
كواليس النجومية: قصة حب خلف الستار واختيار الفن
تألقت زينات صدقي في تقديم شخصيات بنت البلد خفيفة الظل وسليطة اللسان، وشاركت كبار النجوم مثل يوسف وهبي، وإسماعيل ياسين، وشادية، وصنعت ظاهرة فنية فريدة. وفي أوج شهرتها، عاشت قصة حب تُوجت بالزواج من لواء بارز في القوات المسلحة.
ومع ذلك، واجهت العلاقة شروطاً اجتماعية صعبة؛ حيث طلب الزوج أن يظل الارتباط غير معلن رسمياً للعامة، وتبعه بطلب اعتزالها العمل الفني تماماً. وأمام هذا المفترق، انحازت زينات لعشقها الأول وهو الفن، فاختارت الانفصال الطوعي ولم ترزق بأطفال، مضحية بحياتها الأسرية من أجل جمهورها.
مواجهة الضرائب والأيام الصعبة في الستينيات
مع تبدل الخريطة الإنتاجية في ستينيات القرن الماضي، عانت الفنانة القديرة من تراجع العروض الفنية الموجهة إليها، وامتد غيابها عن البلاتوهات لسنوات طالت. وفي ظل غياب الدخل، واجهت أزمة مالية حادة عندما طالبتها مصلحة الضرائب بسداد متأخرات بلغت 20 ألف جنيه عن أعمالها القديمة.
وحفاظاً على كبريائها ونزاهتها، قامت بزهد تام ببيع مقتنياتها الثمينة من مصوغات ذهبية، وسجاد عجمي، وفازات نادرة لتسوية موقفها المالي. ورغم تلك الظروف الدقيقة، عُرف عنها التزامها الإنساني وحرصها على إبقاء أبواب منزلها مفتوحة دائماً لأعمال الخير.
التكريم الرئاسي من السادات والرحيل الهادئ
في عام 1976، حرص الرئيس الراحل محمد أنور السادات على إنصاف قيمتها الفنية، وقرر تكريمها رسمياً في عيد الفن. وتكشف الكواليس الإنسانية لتلك المناسبة أنها توجهت لحفل التكريم برداء بسيط (قميص وجونة) نظراً لظروفها المادية.
وعندما التقى بها الرئيس السادات، أبدى تقديراً كبيراً لتاريخها، وقرر دعمها بالخطوات الرسمية التالية:
الدعم المالي المباشر: منحها شيكاً فورياً بقيمة ألف جنيه، وأمر بخصم معاش استثنائي ثابت لها بقيمة 100 جنيه شهرياً.
التقدير الاجتماعي: وجه لها دعوة رسمية لحضور حفل زفاف ابنته، وسلمها رقمه الهاتفي الخاص لتلبية أي مطالب شخصية قد تحتاجها مستقبلاً تعبيراً عن رعاية الدولة لمبدعيها.
وكانت زينات قد سجلت ظهورها السينمائي الأخير في فيلم “بنت اسمها محمود” عام 1975 بعد غياب دام 6 سنوات، إلا أن شعورها بعدم التقدير المهني اللائق داخل البلاتوه دفعها لاتخاذ قرار الاعتزال النهائي. وقبل رحيلها، قامت ببادرة إنسانية نبيلة بكتابة مدفنها الخاص ليكون مقبرة للصدقة تخدم الفقراء. وفي 2 مارس 1978، غيب الموت ضحكة مصر الصافية إثر إصابتها بهبوط في القلب ومياه على الرئة، وهي تستمع بسلام لآيات الذكر الحكيم عبر إذاعة القرآن الكريم.




