
عندما يدور الحديث عن تشكيل حكومة جديدة، ينصرف اهتمام الكثيرين إلى الوزارات الاقتصادية أو الخدمية، بينما تمر وزارة الثقافة وكأنها وزارة هامشية، وهذا في تقديري أحد أكبر الأخطاء في فهم دور الدولة الحديثة.
في الحقيقة، أرى أن وزارة الثقافة لا تقل أهمية عن وزارة التربية والتعليم، لأن التعليم يمنح الإنسان المعرفة، أما الثقافة فتمنحه الوعي، والهوية، والانتماء، والقدرة على التمييز بين الفكر المستنير والفكر المتطرف.
الأمم لا تتماسك بالقوانين وحدها، وإنما تتماسك بمنظومة ثقافية مشتركة تصنع وجدانًا واحدًا، وتحول التنوع إلى مصدر قوة لا سببًا للانقسام. ولهذا نجد أن دولًا تضم أعراقًا وأديانًا وثقافات متعددة استطاعت أن تحافظ على وحدتها لأن مواطنيها يجتمعون حول ثقافة وطنية وقيم مشتركة وهوية جامعة.
ومن هنا، فإن وزير الثقافة القادم لا ينبغي أن يكون مجرد أديب أو فنان أو أكاديمي، بل يجب أن يكون قائدًا وطنيًا صاحب مشروع حضاري، يدرك أن الثقافة هي خط الدفاع الأول عن الدولة، وأن معركة الوعي لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى.
ونحن نتحدث عن رؤية مصر 2030، فإن المطلوب وزير يستطيع أن يحول الثقافة من نشاط موسمي إلى مشروع وطني دائم، يصل إلى كل بيت، وكل مدرسة، وكل جامعة، وكل قرية، وكل مدينة.
وأرى أن أهم مواصفات وزير الثقافة القادم هي:
- أن يمتلك رؤية استراتيجية لبناء الإنسان المصري وتعزيز الهوية الوطنية.
- أن يؤمن بأن الثقافة حق لكل مواطن، وليست نشاطًا للنخبة فقط.
- أن يعيد اكتشاف دور قصور الثقافة والمكتبات العامة لتصبح مراكز حقيقية لبناء الوعي.
- أن يجعل الطفل والشباب على رأس أولويات العمل الثقافي، لأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الأجيال الجديدة.
- أن يستخدم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية للوصول إلى ملايين الشباب بلغتهم وأدواتهم.
- أن ينسق مع التربية والتعليم، والتعليم العالي، والشباب والرياضة، والأوقاف، والإعلام، لأن بناء الوعي مسؤولية وطنية مشتركة.
- أن يعيد لمصر ريادتها الثقافية عربيًا وإفريقيًا ودوليًا، ويعزز دور القوة الناعمة المصرية.
- أن يربط الثقافة بالتنمية، وأن يجعلها أداة لمواجهة التطرف، والشائعات، وخطاب الكراهية، وكل ما يهدد تماسك المجتمع.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس نقص الإمكانات، وإنما غياب الوعي. وعندما يرتفع الوعي، يصبح المواطن أكثر قدرة على حماية وطنه، واحترام القانون، وقبول الاختلاف، والمشاركة في التنمية.
لذلك، فإن اختيار وزير الثقافة القادم يجب ألا يكون اختيارًا تقليديًا، بل اختيارًا لشخص يحمل مشروعًا وطنيًا لبناء الوعي، وترسيخ الهوي�




