
خصوصًا مع تكرار التهديدات المتعلقة باستهداف المنشآت الاقتصادية والبنية التحتية الحيوية عبر الطائرات المسيّرة والصواريخ.
هذا التصعيد لا ينعكس فقط على الأمن الإقليمي، بل يترك أثرًا عميقًا على صورة إيران في الوعي الخليجي والعربي، وربما يدفعها إلى خسارة ما تبقى من مساحات التعاطف السياسي والشعبي.
لقد استطاعت إيران، لفترات طويلة، أن تقدم نفسها في الخطاب السياسي والإعلامي باعتبارها دولة تواجه الهيمنة الغربية، وتتبنى خطابًا داعمًا لقضايا المنطقة، وهو ما منحها قدرًا من التعاطف لدى بعض الشعوب العربية والإسلامية، رغم الخلافات السياسية والمذهبية القائمة.
غير أن الانتقال من الخلاف السياسي إلى التهديد العسكري المباشر لدول الجوار، خصوصًا عبر استهداف الاقتصاد والطاقة والموانئ والمنشآت المدنية، يغيّر طبيعة النظرة إليها بشكل جذري.
فدول الخليج لا تمثل مجرد كيانات سياسية في المنطقة، بل تشكل شريانًا اقتصاديًا عالميًا يرتبط بأمن الطاقة والتجارة الدولية. وأي تهديد مباشر لهذه البنية الاقتصادية لا يُنظر إليه باعتباره “ورقة ضغط سياسية”، بل يُصنَّف ضمن الأعمال التي تزعزع الاستقرار الإقليمي وتهدد حياة المدنيين ومصالح الشعوب.
هنا يكمن الخطر الحقيقي على إيران؛ إذ إن استمرار هذا النهج قد ينقل صورتها تدريجيًا من دولة ذات مشروع سياسي مختلف إلى دولة تُربط في الأذهان بمفاهيم العنف والتطرف والإرهاب.
الخطأ السياسي الأكبر يتمثل في الاعتقاد بأن لغة التهديد يمكن أن تفرض نفوذًا دائمًا. التاريخ السياسي في المنطقة يثبت أن القوة العسكرية قد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها تخلق على المدى البعيد عزلة سياسية ونفورًا شعبيًا وتحالفات مضادة أكثر صلابة. كما أن استخدام المسيّرات أو التلويح بضرب المنشآت الاقتصادية يفتح الباب أمام سباق تصعيد لا أحد يضمن نتائجه، خاصة في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية.
إيران تمتلك حضارة عريقة وثقلًا سياسيًا وتاريخيًا كبيرًا في المنطقة، وكان بإمكانها أن تعزز نفوذها عبر الاقتصاد والتعاون الإقليمي وبناء الثقة، لا عبر أدوات التهديد والتصعيد. فالقوة الحقيقية للدول لا تُقاس فقط بقدرتها على الردع العسكري، بل أيضًا بقدرتها على كسب احترام الشعوب والحفاظ على علاقات مستقرة مع محيطها.
إن استمرار التهديدات ضد دول الخليج قد يكون، في النهاية، غباءً سياسيًا مكلفًا لإيران قبل غيرها، لأنه يبدد ما تبقى من رصيدها المعنوي والسياسي، ويدفع المنطقة نحو مزيد من الاستقطاب والتوتر، في وقت يحتاج فيه الشرق الأوسط إلى التهدئة والتنمية لا إلى فتح جبهات جديدة من الصراع .
