شهادة للتاريخ: كيف أحبطت الدولة المصرية مخطط اختراق الأمن عبر “الضباط المنشقين”؟
بقلم/ سعيد سليم
(رئيس مجلس إدارة مجموعة كيانات بوابة المحروسة)
تظل الذاكرة الوطنية المصرية حافلة بالمحطات الكاشفة التي توضح حجم التحديات التي واجهتها الدولة في أعقاب أحداث يناير 2011. ومن بين أخطر هذه الملفات، برزت محاولات تنظيمات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان والتنظيمات الموالية لها، لاختراق الجسد العسكري والأمني المصري. لم تكن هذه المحاولات عشوائية، بل جاءت ضمن مخطط ممنهج لاستقطاب بضعة عناصر واستغلال “السلاح الميري” والتدريب المتقدم لصالح تنفيذ أجندات تخريبية وإرهابية ضد الوطن.
وفي السطور التالية، نستعرض قراءة تحليلية موثقة لكواليس هذه القضية، وكيف نجحت الأجهزة السيادية في تطهير الجبهة الداخلية وفرض سيادة القانون.
من الأدلجة السرية إلى التكفير الصريح: كيف بدأت المؤامرة؟
مع صعود تيار الإسلام السياسي إلى سدة الحكم، حاولت الجماعات التكفيرية إيجاد موطئ قدم لها داخل المؤسسات السيادية (الجيش والشرطة). بدأت هذه المحاولات باستقطاب عدد محدود جداً من الضباط عبر التأثير الأيديولوجي، مستغلين بعض المطالب الفئوية كغطاء شرعي قبل أن تنكشف نواياهم الحقيقية في تشكيل خلايا مسلحة معزولة.
أمام هذا المشهد، تحركت قيادات القوات المسلحة ووزارة الداخلية بحسم صارم؛ حيث جرى رصد العناصر التي بدت عليها علامات التشدد أو الخروج عن العقيدة الانضباطية، وأُحيلوا فوراً إلى مجالس التأديب وصدرت قرارات رسمية بعزلهم لحماية استقرار الأجهزة الأمنية. إلا أن تنظيمات إرهابية مثل “أنصار بيت المقدس” و”داعش سيناء” التقطت هؤلاء المستبعدين لدمجهم في خلايا عنقودية سرية، مستفيدة من خلفياتهم التدريبية وتوظيفها في عمليات تخريبية غادرة.
رؤوس الخيانة: أبرز الضباط المنشقين وأدوارهم التخريبية
كشفت التحقيقات القضائية والاستخباراتية عن قائمة محدودة من الأسماء التي خانت القسم العسكري، وتحولت إلى العقل المدبر لأخطر العمليات الإرهابية بين عامي 2013 و2017، ومن أبرزهم:
1. حنفي جمال وخيرت السبكي (العمليات الخاصة سابقاً)
تخرجا في دفعة 2012 بقطاع العمليات الخاصة بوزارة الداخلية، وتلقيا تدريبات متقدمة في مكافحة الإرهاب واقتحام الموانع. انشقا عام 2016 ليعلنا مبايعة تنظيم “داعش سيناء”. تولى السبكي منصب “المسؤول الأمني والعسكري” للتنظيم، بينما خطط حنفي جمال عسكرياً لعمليات دموية شهيرة، أبرزها الهجوم على ميكروباص مباحث حلوان الذي أسفر عن استشهاد النقيب محمد حامد و7 من أمناء الشرطة.
2. هشام عشماوي وعماد الدين عبد الحميد (الصاعقة سابقاً)
رائد ونقيب في سلاح الصاعقة المصرية تم فصلهما نهائياً قبل عام 2011 لتبنيهما أفكاراً متطرفة. أسس عشماوي تنظيم “المرابطين” في ليبيا، وأصبح العقل المدبر لـ “مذبحة كمين الفرافرة 2014” التي استشهد فيها 22 من رجال حرس الحدود، بينما قاد رفيقه عماد عبد الحميد (المهيب بالشيخ حاتم) الواجهة الميدانية لمعركة الواحات البحرية عام 2017.
3. محمد عويس (مرور القاهرة سابقاً)
رائد مستتر استغل موقعه الأمني في إدارة المرور للحصول على بيانات سيارات ومحل إقامة زملائه. قام بتسريب الملف السري والصور الشخصية لصديقه المقرب المقدم محمد مبروك (مسؤول ملف الإخوان بالأمن الوطني)، مما مكن خلايا الاغتيالات من تتبعه وتصفيته غدراً في نوفمبر 2013.
4. وليد بدر وأحمد جلال الغامري
قاد الرائد المتقاعد وليد بدر الجناح الانتحاري لأنصار بيت المقدس مفجراً نفسه في محاولة اغتيال وزير الداخلية الأسبق اللواء محمد إبراهيم عام 2013، في حين تولى الرائد أحمد جلال الغامري تسريب شفرات اللاسلكي وتوقيتات تحرك القوات الأمنية.
الضربة الاستباقية: كيف طهّرت الأجهزة السيادية “الإرهاب من الداخل”؟
أدركت الدولة المصرية مبكراً أن مواجهة هذا النوع من التهديد تتطلب تفعيل آليات “الأمن الذاتي الصارم”. قامت إدارة المخابرات الحربية وقطاع الأمن الوطني بفحص دوري ومستمر للميول الفكرية والسياسية لكافة الأفراد، واستبعاد أي عنصر يثبت تعاطفه مع التيارات المتطرفة فوراً وتجريده من رتبته العسكرية.
تزامن ذلك مع مطاردة ميدانية شرسة؛ حيث قتلت القوات الجوية عماد الدين عبد الحميد في ضربة ساحقة عقب معركة الواحات، وفي نوفمبر 2018 نجحت القوات المسلحة في توجيه ضربة دقيقة لمعاقل داعش في سيناء أسفرت رسمياً عن تصفية حنفي جمال وخيرت السبكي.
حبل المشنقة للخيانات العظمى: نهاية عادلة ورادعة
لم تشفع البدلة العسكرية أو الشرطية السابقة لهؤلاء المتهمين أمام منصة القضاء المصري، بل كانت وطأة القانون عليهم أشد وطأة لأنهم خانوا الأمانة والقسم.
في أكتوبر 2018، نجح الجيش الوطني الليبي في ضبط الإرهابي هشام عشماوي حياً في مدينة درنة، وتم تسليمه في ما بعد في عملية استخباراتية تاريخية للمخابرات العامة المصرية. وبعد محاكمات عسكرية وجنائية عادلة استوفت كافة درجات التقاضي، نُفذ حكم الإعدام شنقاً بحق عشماوي في 4 مارس 2020، وتبعه تنفيذ حكم الإعدام بحق الخائن محمد عويس وآخرين في يوليو 2021.
العبرة للتاريخ
لقد طوت مصر ملف “الضباط المنشقين” بعد أن طهرت مؤسساتها بالكامل، لتؤكد هذه الملحمة التاريخية أن عقيدة الجيش والشرطة المصرية عصية على الانكسار أو الاختراق، وأن من يختار طريق خيانة الوطن لن يجد أمامه سوى سيف العدالة القاطع وحبل المشنقة تحت أقدام دولة شامخة لا تنحني.
#تحيا_مصر_السيسي
