
تقديم رئيس التحرير/ سعيد سليم (رئيس مجلس إدارة مجموعة كيانات بوابة المحروسة)
إن من أوجب أمارات الرشاد والحكمة التي ينبغي للمسلم أن يلازمها في ليله ونهاره، هي اللجوء المستمر إلى الله سبحانه وتعالى طلباً للهداية، والشفاء، والعافية من سائر الأوجاع والأدواء؛ ظاهرها وباطنها. فكم من إنسان يتراءى أمام نفسه والآخرين في ثوب الصحة والبهجة، بينما ينطوي باطنه على أمراض خفية، تتسلل إلى وجدانه بدقة وتُحدث في حياته أبلغ الأثر، دون أن يشعر بعواقبها الوخيمة.
وفي واقعنا المعاصر، تبرز على السطح آفتان تمثلان خطراً داهماً على استقرار الفرد وتماسك المجتمع بعد آفتي الشرك والنفاق؛ ألا وهما: مرض الإدمان، وداء الكفران والجحود. إنهما، إن صح التعبير، النقيض التام لجوهر الإيمان وحقيقة الإسلام المبتغاة لحياة البشر.
أولاً: مفهوم الإدمان المعاصر وظواهره السلوكية
لا يتوقف مفهوم الإدمان في الفقه التربوي والاجتماعي عند حدود التبعية العضوية للمواد الكيميائية فحسب، بل هو في أصله حالة نفسية وشعورية تسيطر على جوارح الإنسان، وتمنحه لذة مؤقتة ودنيئة تتملكه بالكامل، مما يورثه حالة من اللامبالاة والتغييب العقلي، تجعله مستعداً لارتكاب أي سلوك منكر في سبيل تحصيل تلك الشهوة.
وإذا أردنا رصد أبرز صور الإدمان السلوكي والظاهري في هذا العصر، نجدها تتجلى في:
إدمان المواد المخدرة والمسكرات: وهي المدمّرة للعقل والبدن والتي جاءت الشريعة لحفظهما كضرورات خمس.
الإدمان الرقمي: الانعزال خلف الشاشات وتضييع الأعمار في الفضاءات الافتراضية بلا طائل.
إدمان السهر والكذب: الذي يقلب الفطرة الإنسانية السوية ويزرع الخديعة في المعاملات.
رفقة السوء ومشاهدة المحرمات: التي تذهب بنور الطاعة وتورث القلب قسوة وظلمة.
إدمان تضييع الأوقات: ولا سيما ما نشهده من إهدار للطاقات والفرص في فصل الصيف، في نقض صريح لصفات عباد الرحمن الذين يعمرون الأرض بالإحسان والنماء والتنمية.
ثانياً: داء الكفران وأثره في تفكيك الروابط الإنسانية
أما الكفران، فهو تلك الحالة النفسية القائمة على الستر، والإنكار، والجهل، والجحود لنعم المنعم جل وعلا، مدفوعة بوهج الكبر والغرور الساكن في النفس. وإن أشد أنواع هذا الداء قبحاً هو كفران العبد لوجود خالقه ورازقه، تالياً له جحود النعم والهدايات التي جاء بها الأنبياء والعلماء والصالحون. يقول الحق سبحانه في محكم التنزيل:
$$ \text{“قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فقدَّرَهُ”} $$
ويمتد هذا الكفران الاجتماعي والتربوي ليشمل منظومة العلاقات الإنسانية في صور متعددة:
1. عقوق الأبناء وكفران فضل الوالدين
وهو من علامات الساعة المشهودة، حيث يمارس بعض الأبناء الجحود تجاه تضحيات الآباء تحت دعاوى واهية كالتمدن والتحلل من القيم العليا بدعوى مواكبة العصر، مصداقاً لقوله ﷺ في بيان أشراط الساعة: «أن تلد الأمة ربتها».
2. كفران العشير والإحسان بين الزوجين
حيث يغيب الشكر بين الشريكين، وتتناسى الأنفس أوقات الفضل والود عند أول بادرة خلاف، وقد حذر النبي ﷺ من هذا المسلك الذي يورث المهالك ويفكك بنيان الأسرة مستشهداً بحديث كفران العشير.
3. جحود المعلم والمؤسسة والوطن
يتعاظم الخطر عندما يمتد الكفران لتلميذ ينكر فضل أستاذه، أو موظف يبخس حق مؤسسته ووظيفته التي تؤمن عيشه تحت شعارات شيطانية براقة، وصولاً إلى إنكار حق الوطن ومقدراته، وهو المسلك التدميري الذي شبّهه القرآن بمسلك “قارون” الذي نسب الفضل لنفسه وعلمه فكان عاقبته الخسوف والندم.
ثالثاً: روشتة العلاج والدواء من منظور الشريعة الإسلامية
إن مواجهة هذه البلايا الوخيمة والمعاصي الجسيمة تقتضي منا العودة إلى حديقة الإيمان، والتمسك بمنهج التزكية القائم على التخلية (تطهير النفس من الرذائل) والتحلية (ملئها بالفضائل والطاعات). وتتلخص معالم هذا العلاج الرباني في الخطوات التالية:
1. إدراك حقيقة الصراع مع الشيطان
يجب أن يعلم العبد أن الإدمان والكفران هما حبال الشيطان لتدمير بني آدم، وأن الفلاح معقود بتزكية هذه النفس:
$$ \text{“قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا”} $$
2. ملازمة الذكر والتفكر في آلاء الله
إن جحود النعم ينبع بالأساس من الغفلة والنسيان، ومقاومة ذلك تكون بالإكثار من ذكر الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبنا، لئلا نقع في الوعيد الإلهي:
$$ \text{“وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ”} $$
3. اليقين بفناء الدنيا وحتمية العودة
توطين النفس على أن الحياة دار ممر وليست دار مقر، وأن المتاع الحقيقي هو ما قُدم للآخرة، فلا تغرننا المظاهر الزائفة ولا تقاليد التحلل التي تتدثر بعباءة الحضارة.
